Skip to main content

القائد الشهيد: الإمام الخميني (ره)... أبعاد الشخصية ومعالم النهج

التاريخ: 03-06-2026

القائد الشهيد: الإمام الخميني (ره)... أبعاد الشخصية ومعالم النهج

هذا اليوم هو يوم الإمام الخميني، وحديثنا يدور حول خصائص هذا الرجل العظيم وهذه الشخصية الفذّة بما تمثّله من تذكار للأنبياء والأولياء في عصرنا.

التقوى من الصفات البارزة للإمام

 أودّ أن أبيّن للأخوة والأخوات المصلّين: بأن الصفة البارزة التي كان يتّصف بها إمامنا الكبير هي التزامه التقوى, وعليكم جميعاً أن تجعلوا من التقوى دستوراً لحياتكم؛ لكي تتفتح لنا أبواب رحمة الله, كما تفتّحت لذلك الرجل العظيم.

 فالتقوى تجلب الرحمة والهداية الربّانية للشخص المتّقي وللمجتمع المتّقي؛ وقد كان الدستور الأول والآخر للأنبياء والأوصياء هو التقوى.

 في الخطبة الأولى أودّ أن أنقل لكم، وللطليعة الشابّة منكم على وجه الخصوص، ما تيسّـر لي إدراكه وما شاهدته ولمسته من هذا الرجل الفذ على امتداد الفترة الزمنية التي عشتها كتلميذ ومريد له.

 لقد قيل الكثير عن الإمام؛ من قِبَل أصدقائه ومن قِبَل أعدائه، ومن الإيرانيين وغير الإيرانيين، ومن المسلمين وغير المسلمين، وأشادوا جميعهم بهذه الشخصية الفذّة, ولا كلام لنا في هذا؛ على اعتبار أنّ عظمته وعلوّ مكانته محرزة لدى الجميع، بَيْدَ أنّ هذه الحالة ذات طابع إجمالي عام.

  وأعتقد أنّ شبابنا ـ الذين يسيرون اليوم قدماً بنشاط وهمّة على الدرب الذي اختطّه أمامنا هذا الرجل الكبير ـ راغبون بمعرفة المزيد عن إمامهم, وهآناذا ألقي على أسماعكم ما استطعت أن أتلقّاه وأفهمه وألمسه من هذا الرجل, على مدى حوالي ثلاثين سنة التي أتيحت لنا فيها معرفته عن كثب؛ حيث كنّا في برهة ندرك شيئاً ومظهراً وبُعداً من أبعاد هذه الشخصية العظيمة.

 وأشير إلى أنّ فترة السنوات الإحدى والثلاثين التي مرّت منذ أيّام شبابي وإلى حين رحيل الإمام، مضت منها أربع عشرة سنة قضّاها في المنفى، ويبدو على الظاهر أننا كنّا بعيدين عنه، إلاّ أننا في الحقيقة لم نكن في معزلٍ عن جوّ توجّهاته الفكرية ومنهجه؛ أي أننا كُنّا في الواقع خلال هذه السنوات الأربع عشرة مع الإمام.

 صحيح إنّ تلاميذ الإمام ومعارفه كانوا يحبّونه إلى أقصى حدّ، إلاّ أنّ ما قيل فيه لم يكن نابعاً من المحبّة، بل كان نابعاً ممّا يتّصف به الإمام من خصائص, والشيء الآخر هو: أنه لم يكن يتكلّف أو يتعجّل إظهار ما في شخصيته من محاسن وجوانب مشرقة، وإنما كان يتكشّف بُعد من تلك الأبعاد حيثما اضطرّه التكليف الشرعي إلى اتخاذ موقف ما, أو القيام بعملٍ ما.

 أبعاد شخصية الإمام (ره)

أبدأ بحديثي منذ عام 1337[هـ ش] 1959م، وهي السنة التي ذهبت فيها إلى قم ورأيت الإمام الخميني هنالك عن قرب للمرّة الأولى. وكنّا من قبل ذلك قد سمعنا ونحن في مشهد عن وجود أستاذ كبير في قم يحبّ الشباب، ومن الطبيعي أنّ طالب العلوم الدينية حينما يَرِد إلى قم يبدأ بالبحث عن أستاذ يدرس على يده؛ ففي الحوزات العلمية ليس ثمّة إلزام في اختيار الأستاذ، وإنّما يختار كل طالب الأستاذ الذي يرغب فيه وفقاً لمرامه.

 وكان الأستاذ الذي يجتذب إليه الطلبة الشباب, المتعطّشين منذ الوهلة الأولى هو الشخص الذي كان معروفاً بين تلاميذه في تلك الأيام باسم >السيد روح الله<.

 وكان الشباب الأفاضل المثابرين المتحمّسين مجتمعين في حلقة درسه, وفي مثل هذا الجوّ كان دخولنا إلى قم.

 الإمام (ره) والتجديد العلمي

كان الإمام الخميني مظهراً للتجديد العلمي, والتبحّر في الفقه والأصول.

 وكنت قد شاهدت من قَبله أستاذا بارعاً في مشهد، وهو المرحوم آية الله الميلاني[1]، الذي كان من الفقهاء البارزين, وكان زعيم الحوزة العلمية في قم آنذاك هو المرحوم آية الله العظمى البروجردي[2] الذي كان أستاذاً للإمام الخميني, وكان هنالك أيضاً أساتذة كبار آخرون, إلاّ أنّ الوسط الدراسي الذي كان يجتذب إليه القلوب الشابّة المتلهّفة الدؤوبة المتحفّزة نحو تفعيل الطاقات، هو درس الفقه والأصول الذي كان يلقيه الإمام.

 وأخذنا نسمع تدريجاً ـ من الطلبة الأقدم منّا ـ بأنّ هذا الرجل فيلسوف كبير أيضاً، وكانت دروسه الفلسفية أوّل دروس فلسفية في قم، غير أنه يرجّح في الوقت الحاضر تدريس الفقه, وسمعنا كذلك أنّ هذا الرجل كان معلّماً للأخلاق، وكان هنالك أشخاص يحضرون دروسه في الأخلاق، وقد أبدى اهتماماً جادّاً بتقوية الفضائل الأخلاقية لدى الشباب، وهذا ما لمسناه عن كثب أثناء دروسه عبر سنوات طويلة, وإلى هذا الحد كانت شخصية هذا الرجل ـ الذي يزخر باطنه بالخصائص المجهولة ـ معروفة بالنسبة إلى أكثر الناس آنذاك بصفته أستاذاً عالماً ومربّياً فاضلاً ومهذّباً لأخلاق الطلبة والتلاميذ.

 الإمام الخميني المرجع والقائد

في عام 1340هـ ش ـ 1962م توفي آية الله البروجردي الذي كان مرجع التقليد في عهده، وطرحت أسماء مجتهدين كبار من قِبَل أصدقائهم للتصدّي لأمر المرجعية، وتبيّن في تلك الأثناء أنّ الدروس الأخلاقية التي كان يلقيها الإمام لم تكن مجرّد كلام أو محض معلومات يلقيها على أسماع الآخرين، بل إنه أوّل من يعمل بتلك الدروس التي يراد منها تهذيب الأنفس، وثبت للجميع أنّ هذا الرجل زاهد بالمنصب والرئاسة، حتى وإن كانت تلك الرئاسة مرجعية أو زعامة روحية ومعنوية، وأنه لا يسعى من أجل المقام والمنصب والجاه، بل ويحاول ما استطاع منع الآخرين من السعي لأجل هذه الغاية.

 بدأت إرهاصات النهضة الإسلامية بعد سنة ونصف من وفاة المرحوم آية الله البروجردي, وفي النصف الثاني من عام 1341هـ ش ـ 1963م تجلّى بُعد آخر من أبعاد هذه الشخصية، تجسّد في وعيه وشدّة ذكائه وتفطّنه لأمور لم يكن غالباً يُفطن لها هذا من جهة، وغيرته الدينية من جهة أخرى.

 فالكثير قد سمعوا حينذاك قرار الحكومة بإلغاء شرط الإسلام والقسم بالقرآن عن النوّاب المنتخبين لعضوية المجلس الوطني، إلاّ أنّ الكثيرين لم يلتفتوا إلى مدى خطورة هذا الأمر، لكنه في الواقع كان على جانب كبير من الأهمية والخطورة؛ ففي الوقت الذي كان فيه المجلس الوطني آنذاك مجلساً صورياً، والسلطة هي التي كانت تشكّله، ولم يدخله إلاّ المرشّحون من قبلها، وكانت العملية كلها عملية تنصيب وليست عملية انتخابات شعبية، ولكن مع كل ذلك لم يكن النظام ليتجرّأ على طرح القرارات المتعلّقة بالنقابات، وقرار إسقاط شرط الإسلام حينما كان المجلس قائماً؛ لأنه كان يخشى ردود فعل المجلس فعمد إلى حلّه، واتخذ تلك القرارات وراء الكواليس. وهذا ما يدل على أنّ وراء هذه القضية كلاماً كثيراً وغايات خطيرة, ولم يلتفت أحد حينها إلى هذا الأمر، إلاّ أنّ الإمام الخميني أدركه وتصدى له، ودفعته غيرته الدينية إلى الأخذ بزمام المبادرة في هذه القضية والشروع بمجابهة هذه المشاريع المناهضة للإسلام، حتّى وإن بدت قليلة الأهمية؛ وهذا ما قام به فعلاً.

 توجد هاهنا قضية مهمّة، وهي: إنّ الإمام الخـميني لم يـكن راغباً بحيازة قصب السبق حتّى في ميدان الجهاد، حيث نقل لنا بنفسه: أنه كان يتحدّث ذات مرّة في دار المرحوم آية الله الحائري مع أحد المراجع المعروفين وكان زميلاً له في الدراسة، فقال له: كن في المقدّمة ونحن نسير وراءك. وكانت غاية الإمام أن يتمّ أداء التكليف، إذ كان المهم بالنسبة له هو أداء الفريضة التي كان يشعر بأنها ملقاة على عاتقه، ولم تكن قضية التصدّي والتقدّم ذات أهمية بالنسبة له.

 من الطبيعي أنّ الآخرين لم يكن لديهم من الجرأة والإقدام على الدخول في هذا المعترك مثلما كان لدى الإمام، وقد أخذ هو بزمام الأمور في هذا الميدان بشكل تلقائي, وبدأ بمجابهة النظام اعتماداً على الجماهير.

 لم يكن أحد من أكابر الحوزة العلمية والمراجع يظن أنّ الحركة الدينية سوف تستطيع، سيّما في ظروف الكبت الرهيبة تلك، أن تحصل على مثل هذا الدعم الجماهيري، إلاّ أنّ الإمام صرّح منذ ذلك اليوم بأنّه يتحرّك بمساندة الشعب، وأنه سيدعو الشعب إذا ما اقتضت الضرورة إلى التحشّد في البراري القريبة من قم، وكان واثقاً أنه لو دعا الشعب لاجتمعت له كل إيران، ولحصل اجتماع جماهيري هائل تعجز الحكومة الفاسدة ـ في ذلك الحين ـ من معالجته.

 تجلى وقتئذٍ بُعد جديد من شخصية هذا الرجل على الصعيد العملي, تمثّل في مقدرته القيادية، وشجاعته السياسية، ومعرفته بدقائق الأساليب التي يتّبعها العدو، ووعيه بأهداف العدو.

 وعندما حلَّ عام (1342 هـ ش ـ 1964م)، وهو العام الثاني من أعوام النهضة، واتّسم بالمذابح والقسوة وكثرة الضغوط، أشرق الإمام الخميني كالشمس في سماء آمال الشعب الإيراني، فكان بركاناً من الفداء اجتمعت فيه كل الخصال اللازمة للرجل الوطني, وللرجل الإسلامي, وللرجل العالمي، وكان يتحلّى بالشجاعة والصراحة والقدرة على تعبئة الجماهير، سواء في بداية عام (1342 هـ.ش) حين هجمت القوات الخاصة على المدرسة الفيضية وعلى الحوزة العلمية في قم، أم في الخامس عشر من خرداد عام (1342 هـ.ش) حين تجسدت عظمة الإمام، إذ شعر الشعب الإيراني من ساعته أنّ له سنداً وملاذاً، وأنّ هناك قمّة شامخة يمكنه أن يتطّلع إليها ويبني آماله عليها؛ وعلى هذا النحو ظهر الإمام على الساحة في الخامس عشر من خرداد.

 الإمام ومراحل التنظير الفكري لبناء النظام الإسلامي

وبعد تلك الأحداث سادت حالة شديدة من الضغط والكبت, صاحبتها أحكام بالسجن والنفي على الكثير من الناس, ولم يكن دخول السجن وما يرافقه من مصاعب مشكلة عصيبة بالنسبة لنا نحن الذين كنّا حينها في مرحلة شبابنا؛ إذ كان السجن لنا أشبه ما يكون بالتسلية, أمّا بالنسبة للإمام فقد كان حينها في حوالي الثالثة والستين من عمره، ولكن مع ذلك كان قادراً على استنهاض الأمة بمشاعره الجيّاشة، إلاّ أنّ دخول السجن أو النفي بالنسبة لشخص في مثل هذه السن لم يكن بالأمر الهيّن.

 ومع كل ذلك تجلّت فيه معالم الإيثار والفداء وتحدّي المخاطر, وكان هذا أيضاً بُعد آخر من أبعاد شخصيته؛ بمعنى أنه لم يكن هنالك مانع يستطيع الحيلولة بينه وبين مُثُله العليا أو سعيه لأداء تكليفه الشرعي.

 وانتهت أحداث عامي (1342 و 1343 هـ ش 1964 ـ 1965م) إلى نفي الإمام لمدّة أربع عشرة سنة، في البداية إلى تركيا ثم إلى العراق.

 وفي فترة النفي ظهرت أبعاد جديدة من شخصية هذا الرجل الفريد، الذي قلّما تجد له نظيراً في عصرنا، وهي أبعاد نادراً ما يلاحظ المرء بعضها في حياة الشخصيات الكبير، وهي:

 أوّلاً: طرح نفسه كمنظّر فكري, نهض بمهمّة التخطيط والتنظير لحكومة ولنظام ولإرساء أسس بناء وكيان جديد، دون أن يكون أمام عينيه نموذج سابق ملموس، لكي يخطط على ضوئه؛ وذلك لأن التخـطيط لبناء إسلامي، يأخـذ متطلّبات الحيـاة العصرية والقضــايا المطروحة في عالم اليوم بنظـر الاعتبار، يعدّ بحدّ ذاته تنظيراً لنظام جديد.

 ثانياً: على الرغم من عدم وجوده في إيران خلال مدّة أربع عشرة سنة عاشها في المنفى، إلاّ أنه كان يقود ويوجّه أحداث الثورة الإسلامية عن بعد.

 فعلى امتداد فترة الأربع عشرة سنة هذه كان الضغط والكبت على أشدّه، وخاصة في السنوات الأخيرة منها، أي من عامي (1349 و1350 1971م _ 1972م) وحتى عامي (1354 و 1355 هـ ش1976_1977م)، حيث كانت تظهر إلى الوجود أحزاب وجماعات سياسية وغير سياسية، ولكنها كانت تضمحل وتتلاشى تحت وطأة الضغوط التي يمارسها النظام، أو أنها كانت تفقد مزاياها وخواصّها، وبعضها الآخر يحظى بدعم سياسي دولي بسبب ارتباطه بالشرق أو بالغرب ـ وخاصة بالشرق ـ حيث كان يحصل على الدعم والتوجيه من هناك.

 أمّا نهضة الإمام الخميني فلم تكن تعتمد على خلايا أو مؤسسات حزبية داخل البلاد، بل كان للإمام تلاميذ وأصدقاء ومعارف يحملون أفكاره في أوساط الجماهير, وهو حينما كان يصدر بياناته لم يتوجّه بالخطاب إلى أولئك التلاميذ والأصدقاء على وجه الخصوص، إنّما كان يخاطب ويوجّه عموم الجماهير، واستطاع طوال فترة الأربع عشرة سنة تلك أن يزرع في الأذهان بذور النهضة الإسلامية أولاً، وأن يوسّع مداها على صعيد الشعب ثانياً، حيث كسب إليها قلوب وأفكار وإيمان الشباب؛ لكي يهيّئ الأرضية لقيام تلك الثورة الكبرى.

 وإنّ الكثيرين قدّموا أعمالاً كبرى وتضحيات جسام، ولكن لولا مركزية الإمام لَما تحقق أيّ من هذه الإنجازات، ولحبطت جميع الجهود، ولسرى اليأس إلى النفوس, والشخص الوحيد الذي لم يصبه الإعياء أو اليأس هو الإمام الخميني الذي كان الآخرون يستقون القوّة والعزم من قوّته وعزمه.

 ثمّ تلا ذلك توجيه تلك الحركة الثورية والنهضة الكبرى طوال مدّة أربع عشرة سنة، وبفضل قائدها الكبير تمّ اجتياز كل العراقيل والموانع التي واجهتها، إلى درجة اندحرت معها الأفكار المعادية للإسلام ونُحيّت جانباً.

 وأثبت الفكر الإسلامي يوماً بعد آخر تفوّقه على الأفكار الأخرى، وكان وجود الإمام ملموساً في كل الأحداث المهمّة.

 وفي عام (1347 هـ.ش1969م) طرح الإمام حينما كان في النجف ـ مركز الفقاهة ـ فكرة ولاية الفقيه استناداً إلى ثوابت فقهية راسخة.

 من الطبيعي أنّ “ولاية الفقيه” من مسلّمات الفقه الشيعي.

 وأمّا ما يقوله بعض أنصاف المتعلّمين: من أنّ الإمام الخميني ابتكر فكرة ولاية الفقيه من عنده ولم يقرّها سائر العلماء، فهو ناجم عن الجهل بهذا الموضوع, والمطلّع على آراء الفقهاء يدرك أنّ ولاية الفقيه من الواضحات في الفقه الشيعي، وكل ما فعله الإمام هو أنه استطاع صياغة هذه الفكرة على أسس رصينة وأدلّة متقنة وتقديمها بشكل مقبول ومفهوم لكل صاحب رأي ومطلّع على المذاهب السياسية وعلى القضايا السياسية في عالمنا المعاصر.

 أعزائي، لم يشعر المجاهدون في إيران بالوحدة خلال فترة الأربع عشرة سنة تلك، وبخاصة السنوات الأخيرة منها، بل كانوا يشعرون على الدوام أنّ الإمام على اتصال دائم بهم.

 رباطة الجأش والصلابة الحديدية عند الإمام

وتجلّى في حادثة وفاة نجله بُعد آخر من أبعاد شخصيته الكبرى؛ هناك بطبيعة الحال علماء وأكابر وشجعان كثيرون، إلاّ أنّ الأشخاص الذين امتدّت وتجذّرت هذه المثل العظمى في أعماق مشاعرهم وفي سويداء قلوبهم ليسوا كثيرين.

 وهذا الرجل الذي شارف على الثمانين من عمره في ذلك الوقت، نقل عنه أنه قال عند وفاة نجله الفاضل ـ حيث كان نجله في الواقع عالماً ممتازاً ورجلاً بارعاً وأملاً للمستقبل ـ جملة واحدة، وهي “إنّ وفاة مصطفى من الألطاف الإلهية الخفية، معتبراً وفاته رحمة إلهية خفية! بمعنى أنه نظر إلى تلك الحادثة وكأنها لطف من الله به.

 فالشدائد والمصائب التي نزلت بهذا الرجل في عهد الثورة وتحمّلها كالطود الشامخ تكمن جذورها في هذه العظمة الروحية التي جعلته ينظر إلى وفاة نجله بمثل هذه النظرة.

 ثمّ تلت ذلك هجرته من العراق وسفره إلى الكويت ثمّ إلى فرنسا، إذ قال حينها: إذا لم يسمحوا لي بالإقامة في بلد سأظل أتنقّل من مطار, إلى مطار وسأوصل صوتي إلى أسماع العالم كلّه.

 وهناك أيضاً انعكست تلك الشجاعة, وذلك الثبات وسعة الصدر, وتلك المقدرة القيادية الإلهية التي قلّما تجد لها نظيراً في التاريخ, ثم أعقب ذلك مجيئه إلى إيران, وتعامله مع الأحداث, وتأسيسه للحكومة الإسلامية.

 أما ما تجلّى من أبعاد شخصيته من بعد تأسيس الحكومة الإسلامية، فكان أهم وأعظم مما شوهد منها من ذي قبل؛ حيث انعكست شخصيته الفذّة على أفقين:

 الأول: اُفق  القائد والمتصدّي لزمام الأمور، والثاني: أفق  الزاهد والعارف؛ لأن مزج هاتين الصفتين مع بعضهما عمل لا يتسنّى للإنسان مشاهدته, إلاّ لدى الأنبياء مثل داود وسليمان‘ ومثل خاتم الأنبياء|.

 وهذه حقائق لمسها الشعب الإيراني طوال سنوات متمادية، وشهدناها نحن عن قرب.

 هكذا تكون التربية الإسلامية والقرآنية، وإلى مثل هذا دعا الإمام الجميع، وأراد نظاماً إسلاميّاً لتربية أناس من هذا القبيل، مثلما كان هو مظهراً بارزاً له.

 تجلّت شخصية الإمام الخميني في مقام القيادة والحكومة كرجلٍ واعٍ ومدبّر وشهم وبارع وجريء، وكانت العواصف العاتية ليست ذا بالٍ بالنسبة له، ولم تكن هناك من حادثة قادرة على إلحاق الهزيمة به أو إرغامه على الانحناء لها؛ فكان أكبر من كل الأحداث المريرة والعصيبة التي وقعت على مدى عشر سنوات من زعامته, ولم تتمكّن أيّ من وقائع الحرب أو الهجمة الأمريكية, أو مؤامرات الانقلاب العسكري, وحوادث الاغتيالات الرهيبة, والحصار الاقتصادي والممارسات العدوانية التي اتخذت أبعاداً وصوراً شتّى، من أن تفتّ عضده أو تشعره بالوهن والضعف، بل خرج منها أصلب عوداً وأشدّ شكيمة؛ لأنه كان يؤمن بالشعب ويثق برأي الشعب, وكان يحبّ الشعب من أعماق قلبه.

 لقد اجتمعت في شخص الإمام أغلب المزايا والمواصفات التي امتاز بها القادة العالميون على حدّ ما تقصّيت وما توصّلت إليه؛ فقد كان عاقلاً وبعيد النظر, ونبهاً وعارفاً بطبيعة الأعداء, وكثير الثقة بأصدقائه، وكانت ضرباته لأعدائه قاصمة، فقد توفّرت فيه كافة الصفات الواجب توفّرها لدى الإنسان؛ من أجل أن يكون قادراً على تبوّؤ مثل هذا الموقع الحساس، وإرضاء ربّه وضميره.

 الثقة بالشعب ومكانتها عند الإمام

كان الإمام الخميني شديد الثقة بالشعب؛ فبعدما انتصرت الثورة كان بميسوره الإعلان عن أنّ نظامنا نظام جمهوري إسلامي، دون الرجوع إلى آراء الشعب، ولم يكن هناك من يعترض على مثل هذا الموقف، إلاّ أنه لم يفعل ذلك، وإنّما أجرى استفتاءً حول أصل النظام وكيفيته, وأدلى أبناء الشعب بأصواتهم لصالح إقامة نظام جمهوري إسلامي.

 وفي ما يخص الدستور كان بإمكانه أن يقدّم دستوراً، غير أنّ الإمام لم يفعل شيئاً من ذلك، وإنّما أمر بإجراء انتخابات مجلس الخبراء, وأكّد ضرورة إجرائها بأسرع ما يمكن.

 من المعروف في الثورات التي تقع في العالم ـ وهي غالباً ما تكون انقلابات عسكرية ولا يصدق عليها اسم الثورة ـ أنّ الذين يُمسكون بزمام الأمور يعطون أنفسهم فرصة سنة أو سنتين, ويقولون: يجب أن تمضي هذه المدّة حتّى تتوفر الأجواء المناسبة لإجراء الانتخابات، ولكنهم غالباً ما يرجئونها إلى موعد آخر.

 بينما بادر الإمام الخميني بعد شهرين من انتصار الثورة إلى إجراء أول انتخابات؛ وتلك هي الاستفتاء على دستور الجمهورية الإسلامية، وأجريت من بعدها بشهر أو شهرين انتخابات خبراء الدستور، وبعدها ببضعة أشهر انتخابات رئاسة الجمهورية، ومن بعدها بعدّة أشهر أجرى انتخابات مجلس الشورى.

 ومعنى هذا: أنّ الإمام رجع في عام واحد، هو عام (1358) إلى آراء الشعب أربع مرّات, فيما يتعلّق بقضايا مختلفة ترتبط بالبلد, وهي: الاستفتاء على النظام الأساسي، ثمّ انتخابات الدستور ـ التي جرت مرتين: الأولى لانتخاب خبراء تدوين الدستور، والثانية للتصويت على الدستور نفسه ـ، ثمّ انتخابات رئاسة الجمهورية، وأعقبتها انتخابات مجلس الشورى.

 كان الإمام يؤمن إيماناً حقيقياً برأي الشعب، أي ما يريده الشعب وما يستقرّ عليه رأيه، ولم يفوّض زمام الأمور قطّ في مثل هذه الشؤون إلى أصحاب الألاعيب السياسية؛ فالشعب غير ذوي الألاعيب، وغير مدّعي السياسية، وغير مدّعي مناصرة الشعب؛ فالإمام كان يثق بالشعب.

 كانت هناك الكثير من الأحزاب والفئات السياسية, والمدّعين لنصرة الشعب وأصحاب الألاعيب السياسية، إلاّ أنّ الإمام لم يعوّل على أيٍّ منهم، ولم يفسح لهم المجال للمطالبة بمزيد من الامتيازات والتحدّث باسم الشعب, واتخاذ القرارات نيابة عن أبناء الشعب. لكنه في نفس الوقت كان يحترم آراء الشعب.

 وبعدما اندلعت الحرب ظهر بدور القائد العام للقوات المسلّحة, وحينما فُرض علينا الحصار الاقتصادي كان الإمام الخميني بمثابة سند روحي كامل للأجهزة الحكومية.

 وفي بداية الثورة أصدر الإمام قرارات كثيرة بشأن الكثير من القضايا, ومن أجل حماية المستضعفين والمحرومين، واتُّخذت إجراءات لا يستهان بها في هذا المجال, وتمّ تشكيل مؤسسات من قبيل مؤسسة جهاد البناء، ومؤسسة الإسكان، ولجنة الإغاثة، ومؤسسة المستضعفين والمعوّقين، ومؤسسة الخامس عشر من خرداد، لتقديم العون لأبناء الشعب.

 وهذه هي القضايا التي كانت تحظى باهتمام الإمام في مجال إدارة شؤون البلاد.

 هذا البُعد القيادي والحكومي في شخصية الإمام, تجسّد فيه بكونه إنساناً مقتدراً وذا إرادة؛ إنساناً قادراً على اتخاذ القرار الصائب في حـالة الحرب، واتخاذ القرار الصائب في حالة السلم، واتخاذ القرار المناسب في إدارة دفّة شؤون البلاد ومجابهة الأعداء.

 الإمام (ره) الزاهد العارف

هذا الإنسان نفسه حينما ينظر إليه المرء في إطار حياته الخاصّة، يراه شخصاً زاهداً عارفاً منقطعاً عن الدنيا، والمراد طبعاً من الدنيا هي: الدنيا الذميمة, التي وصفها بقوله: إنّ الدنيا القبيحة هي ما في ذات الإنسان، وإلاّ فإن ظواهر الطبيعة من أرض وأشجار وسماء واختراعات وما شابه ذلك ليست قبيحة، وإنّما هي نِعَم إلهية؛ يجب الاهتمام بها.

 الدنيا القبيحة هي المشاعر الأنانية, والطمع والأهواء الموجودة في ذات الإنسان؛ وهذه هي الدنيا التي كان الإمام منقطعاً عنها كلّياً.

 لم يكن الإمام يريد شيئاً لذاته، وحتّى إنه لم يشترِ أثناء وجوده على رأس السلطة ولو داراً لنجله الوحيد المرحوم الحاج السيد أحمد الذي كان أعزّ إنسان إلى قلبه، وهذا ما سمعناه منه مرّات عديدة, حيث أكّد أنّ أعز الناس بالنسبة له هو السيد أحمد.

 وقد ذهبنا مرّات عديدة ورأينا أعزّ إنسان على قلب الإمام يعيش في غرفتين أو ثلاث في الحديقة الواقعة خلف الحسينية التي كان فيها بيت الإمام.

 لم يكن ذلك الإمام العظيم راغباً في كل زخارف الدنيا وزبرجها وأطماعها؛ لقد كانت تصله هدايا كثيرة، إلاّ أنّه كان يقدّمها في سبيل الله، حتى إنه كان يدفع أمواله الخاصة إلى بيت المال. هذا الشخص الذي لم يكن على استعداد لشراء دار مناسبة لنجله ولو بقيمة عشرة ملايين أو خمسة عشر مليون تومان من أمواله الخاصّة، كان ينفق مئات الملايين من تلك الأموال على شؤون الإعمار وإعانة الفقراء ومساعدة المتضرّرين بالسيول في نقاط مختلفة من البلاد.

 كنّا على إطلاع بأنه كان يعطي من أمواله الخاصّة ـ التي تُقدّم له كهدايا من محبّيه وأنصاره وأصدقائه ـ إلى بعض الأشخاص لإنفاقها في مظانّها.

 الإمام (ره)..  الإنسان الرقيق الرؤوف

كان الإمام الخميني من أهل الخلوة وأهل العبادة والتضرّع والدعاء والبكاء في منتصف الليل، وكان من أهل الشعر والقيم والمعاني الروحية والعرفان والتعلّق بالله؛ هذا الشخص الذي بثّ الرعب في أوصال أعداء الشعب الإيراني, وهذا السدّ المنيع والجبل الشامخ، حينما تعرض له مواقف عاطفية وإنسانية تراه إنساناً رقيقاً ورؤوفاً, وسبق لي أن نقلت موقفاً عرض لي في إحدى جولاتي، وهو: أنّ امرأة تقدّمت إليّ وقالت: أبلغ الإمام نيابة عنّي أنّ إبني أُسر في الحرب, وقد وصلني في الآونة الأخيرة خبر مقتله، إلاّ أنّ مقتل ابني ليس مهمّاً عندي وإنّما المهم هو سلامتكم.

 لقد تحدّثت إليّ تلك المرأة بمشاعر جيّاشة, وعندما جئت إلى الإمام ودخلت عليه وجدته واقفاً، ونقلـت لـه ذلـك الموقف، فرأيت ذلـك الجبل الراسخ إنحنى بغتةً كشجرة باسقة هوت بها الريح، وغاص مستغرقاً في ذاته، متأثّراً روحياً وجسدياً بما نقلته له من كلام أمّ الشهـيد، واغــرورقت عيناه بالدموع.

 وفي أحد اللقاءات الخاصّة كنّا جالسين ليلاً مع بعض الأصدقاء في دار المرحوم السيد أحمد الخميني، وكان سماحة الإمام موجوداً أيضاً, فبادر أحدنا بالقول: سيّدنا، إنّ لكم مكانة معنوية وعرفانية رفيعة، فيا حبّذا لو قدّمتم لنا بعض النصائح والإرشادات.

 لقد كان لهذا الثناء المقتضب من ذلك التلميذ إزاء أستاذه ـ حيث كنّا جميعاً نتصرّف إزاءه كتلاميذ أمام أستاذهم وكأبناء إزاء أبيهم ـ وقعاً مؤّثراً, انعكس على شكل حياء وتواضع ظهر على محياه وعلى سلوكه وعلى كيفية جلسته.

 شعرنا بالإحراج من هذا الكلام الذي تسبّب في استحياء الإمام.

 كان لهذا الرجل الشجاع، وبما يملكه من طاقة هائلة، مثل هذا التواضع والحياء في مثل هذه المواقف العاطفية والمعنوية.

 الإمام (ره) والذوبان في الإرادة الإلهية

النقطة الأخرى التي أودّ الإشارة إليها, هي: أنّ الإمام اكتسب كل هذه الصفات من جرّاء التقوى والتمسّك بالدين, والامتثال لأمر الله، وقد بيّن شخصياً هذا المعنى بين طيّات كلامه، ملوّحاً إلى أنّ كل ما موجود إنّما هو مِنْ الله، وكنتيجة للذوبان في الإرادة الإلهية، وأنّ الله هو الذي نصر الثورة، وهو الذي حرّر خرمشهر، وهو الذي ألّف بين قلوب أبناء الشعب؛ فكان ينظر إلى كل شـيء من وجهة نظر إلهــية،وفي مقابل ذلك فتح الله أمامه أبواب رحمته.

 المعالم الأساسية لنهج الإمام (ره)

كُنّا قد أعلنّا من بعد رحيل الإمام أننا سنواصل السير على نهجه، ولم يكن الباعث على مثل هذا القرار هو التقليد، وإنّما انطلاقاً عن وعي وتجربة؛ لأن نهج الإمام هو النهج الأمثل لإنقاذ هذا البلد، سواء في بداية الثورة أم في عهد الإمام القائد أم في الوقت الحاضر.

 ولكن ما هو نهج الإمام الذي نتحدّث عنه؟ وما هو المراد من نهج الإمام؟

 أولاً: حاكمية الإسلام

 أستعرض في ما يلي بعض المعالم المهمّة من مجموع ما نسميّه بنهج الإمام الخميني؛ فقد كانت هناك عدّة أمور لها الأولوية في رأي الإمام؛ فهناك الإسلام كدين، حيث لم يكن هناك في فكر الإمام أيّة مُثُل أسمى ولا أعلى من الإسلام، ولم تكن نهضته وثورته إلاّ من أجل تحكيم الإسلام.

 ثم إنّ الشعب الذي فجّر هذه الثورة, وتقبّل هذا النظام, وارتضى بهذا الإمام إنّما كانت غايته الإسلام؛ ويكمن سرّ نجاح الإمام في أنه حمل الإسلام على يده, وأعلن صراحة وبلا تستّر: أنه يريد العمل من أجل الإسلام، والنظر إلى كل شيء من خلال الرؤية الإسلامية.

 كانت هناك قبل الثورة شخصيات في بلدنا, وفي بلدان أخرى تؤمن بالإسلام حقّاً وحقيقة، غير أنها لم تكن تملك الجرأة, أو لم تكن ترغب في طرح الإسلام صراحة وعلانية، بل كانت تدخل إلى الساحة تحت عناوين ومسمّيات أخرى، وكان مصيرها ـ عموماً ـ الفشل, أمّا سبب انتصار الإمام؛ فلأنه تبنّى مشروع حاكمية الإسلام على نحو صريح.

 والإسلام الذي طرحه الإمام يمكن النظر إليه على صعيدين:

 أولاً: الإسلام كإطار للنظام, وفي هذا الجانب كان الإمام يبدي تشدّداً بالغاً, ولا يرضى حتى بزيادة أو نقصان كلمة واحدة، ولا يقبل بأي نوع من التساهل, لا في المجال الاقتصادي ولا في غيره، فالإسلام الخالص لابدّ أن يسود في كل مكان؛ ويجب على النظام بكل أركانه ـ مجلس الشورى الإسلامي، والحكومة، والقضاء، وجميع الأجهزة الأخرى ـ أن يسير وفقاً لمسار مصالح الإسلام وفي ضوء سيادته, وكان الإمام شديد الحرص على هذا الجانب, ويسعى من أجله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

 وثانياً: الإسلام على صعيد الالتزام الفردي للأشخاص, حيث لا نجد هنا تلك الصلابة والحزم في ممارسة نفوذه، إنّما كان يكتفي في مثل هذه الحالات بالنصح والموعظة واللين والأمر بالمعروف، إذ كان الإمام يؤمن بجدوى هذا الأسلوب.

 إذاً فالأمر الذي يحظى بالأهمية الأولى في نهج الإمام الخميني هو السعي لتحقيق حاكمية الإسلام على صعيد الإيمان وعلى صعيد العمل.

 ثانياً: الاستناد إلى الشعب:

 الموضوع الثاني الذي يمكن التحدّث عنه في هذا المجال هو الاستناد إلى الشعب، وكما أشرت سابقاً، لا يحق لأحد في ظل النظام الإسلامي أن يتنكّر للجماهير ولرأي الجماهير ولإرادة الجماهير.

 هناك من يعتبر رأي الشعب أساساً للشرعية، أو أنه يشكّل على الأقل أساساً لممارسة الشرعية، إذ إنّ خيمة النظام الإسلامي لا تقام ولا تبقى بدون الاستناد إلى رأي الشعب, وبدون مشاركة الشعب, وبدون تحقيق إرادته.

 من الطبيعي أنّ أبناء الشعب مسلمون، وهم يعبّرون عن إرادتهم هذه في إطار أحكام الإسلام وتشريعاته.

 الإمام الخميني هو الذي أسّس مجمع تشخيص المصلحة، أي حينما يقع خلاف بين آراء الشعب التي يجسّدها مجلس الشورى الإسلامي، والضوابط الشرعية التي يرمز لها مجلس صيانة الدستور، يتمّ إرجاع الأمر إلى مجمع تشخيص المصلحة؛ للبتّ فيه، وتقديم هذا الرأي على ذلك في ضوء ما تقتضيه مصلحة البلاد.

 إنّ ما يقال عن الحرية يأتي كله انطلاقاً من هذه الحركة الكبرى, ومن النهج البارز الذي اختطّه الإمام لهذا البلد، رغم أنّ بعض الذين لازالوا في بداية الطريق يريدون أن يعلّموا الإمام وحكومة الإمام والنظام الإسلامي الذي شيّده الإمام، دروساً في حرية الفكر وحرية الرأي! بينما الإمام هو الذي وضع حركة النظام الإسلامي على مسار هذا النهج.

 ونحمد الله أنّ مسؤولي البلد ـ في الوقت الحاضر وفي عهد الحكومة السابقة ـ كلّهم من تلاميذ الإمام, وممّن نشأوا على يديه، وهم يعرفون هذه الأمور ويعتقدون بها اعتقاداً راسخاً، ولا حاجة لأن يأتي أحد ويعلّمهم إيّاها.

 ثالثاً: العدالة الاجتماعية:

 الموضوع الثالث: هو أنّ من جملة المعالم البارزة لنهج الإمام هي العدالة الاجتماعية، وتقديم العون للطبقات المستضعفة والمحرومة, التي وصفها الإمام: بأنها هي صاحبة الحق في الثورة وفي البلد، إذ كان يرى أنّ الحفاة هم العنصر الأساس في الانتصارات التي أحرزها هذا الشعب, وكما ذكرنا فإنّ الإمام لم يكتف بالكلام وحده، وإنّما بادر منذ بداية الثورة إلى تأسيس جهاد البناء، ولجنة إغاثة الإمام، ومؤسسة المستضعفين، ومؤسسة الخامس عشر من خرداد، ومؤسسة الإسكان، وأصدر أوامر حازمة إلى الحكومة آنذاك حول هذا الموضوع.

 فالعدالة الاجتماعية من جملة الأهداف الأصيلة في نهج الإمام الخميني, ولا يمكن إقصاؤها أو جعلها على درجة ثانية من الأهمية.

 هناك من يزعم في الوقت الحاضر أنّ الإمام الخميني قال: إنّ ثورتنا ليست ثورة خبز! نعم، فالثورة الروسية التي وقعت في شهر أكتوبر عام 1917 ـ على سبيل المثال ـ جاءت نتيجة لفقدان الخبز في المدن الرئيسية آنذاك مثل موسكو، ولولا ذلك لَما وقعت تلك الثورة, أمّا ثورتنا فليست من هذا القبيل، وإنّما جاءت على أساس الإيمان, ولكن هذا لا يعني أنها يجب أن لا تعتني بحياة الشعب وباقتصاده وبتوفير الطعام والرفاه له, ما هذه الأقاويل؟! فالإمام نفسه كان يعتني بهذه القضايا ويصدر الأوامر اللازمة بشأنها، وكان أكثر ما يسترعي اهتمامه هو الطبقات المحرومة والمستضعفة.

 يوجد اليوم ـ طبعاً ـ إلى جوار سكنة الأكواخ، من يعرفون كيف يصفون الدواء وهم متربّعون في زواياهم بدون أيّ شعور بالمسؤولية أو إدراك لحقيقة الواقع الموجود، زاعمين أنّ العدالة الاجتماعية لم تطبّق، ومن الطبيعي أنّ العدالة الاجتماعية الكاملة لم تتحقّق، ولازالت تستلزم المزيد من السعي، إلاّ أنّ النظام الإسلامي جاء وغيّر الطريقة المغلوطة التي كانت سائدة في هذا البلد ـ والتي كانت لا تعترف بأيّ حق للقرية والقرويين وللمدن النائية وللطبقات المحرومة ـ واهتمّ أكثر ما اهتمّ بمثل هذه الأمور.

 إنّ أكثر ما تركّز عليه الحكومة في الوقت الحاضر هو رعاية المناطق المحرومة، وهكذا كان دأب الحكومات المتوالية طوال عهد الثورة، وقدّمت على هذا السبيل إنجازات كبرى وخدمات هائلة؛ وهذا كله جاء بفضل عنصر العدالة الاجتماعية, الذي يسمّى نهج الإمام.

 رابعاً: معرفة العدو:

 العنصر الآخر ـ في هذا السياق ـ هو:معرفة العدو وعدم الاغترار به؛ فإنّ أول عمل يقوم به العدو هو إشاعة فكرة عدم وجود الأعداء.

 ولكن كيف لا يكون للنظام الإسلامي أعداء؟! فناهبو ثروات الشعوب الذين حرموا من خيرات هذه المائدة سنوات طويلة لابد وأن يضمروا لنا العداء، ونحن نلاحظ ممارساتهم العدائية، سواء عن طريق الإعلام أم عن طريق الحصار الاقتصادي، ولا يتورّعون عن القيام بكل من شأنه تقوية أعداء هذا النظام، وهم يصرّحون بذلك علانية.

 الشيء الذي لا ترضيه أمريكا والاستكبار والقراصنة العالميون هو استقلال هذا البلد, واستقلال ووعي هذا الشعب، ويغيظهم الرفض الذي يواجهونه لدى أبناء الشعب.

 وهكذا فإنّهم يناصبون الإسلام العداء؛ لأنه هو الذي أثار هذا الوعي بين أبناء الشعب.

 كان الإمام الراحل على معرفة تامّة بالعدو وبأساليبه الإعلامية والسياسية ووقف بوجهه بكل صلابة.

 خامساً: الاهتمام بمصير المسلمين:

 المحور الآخر هو: الاهتمام والحرص على مصير مسلمي العالم؛ فمسلمو العالم هم الحجر الأساس في التفكير الإستراتيجي للنظام الإسلامي.

 وهناك شعوب في آسيا وأفريقيا وفي منطقتنا تناصر النظام الإسلامي، وهي تعبّر بشكل لم يسبق له مثيل عن اعتزازها وولائها للإمام وللثورة.

 وهذه حقيقة لا يوجد لها مثيل إزاء أيّ بلد لا في عالم اليوم ولا في الماضي؛ وهذا كله من أجل الإسلام.

 كان الإمام يعير اهتماماً فائقاً لمستقبل الأخوة المسلمين.

 هذه هي المعالم الأساسية لنهج الإمام؛ فهي الإسلام، والشعب، وتقدّم البلد، ومجابهة الأعداء، والاهتمام بشأن الأمة الإسلامية.

 ونحن قد كنّا ولا زلنا وسنبقى بفضل الله متمسّكين بهذه المبادئ.

 ألطاف ومنن الله على الشعب الإيراني

لقد تمّ خلال هذه السنوات التي أعقبت رحيل الإمام تقديم إنجازات كبرى من قِبَل الحكومة ـ السابقة والحالية ـ ومن قِبَل الأجهزة القضائية، ومجلس الشورى الإسلامي بما يمثّله من سلطة تشريعية.

 وقائمة العطاء الذي قدّمته هي وسائر المسؤولين والقطاعات ـ وبخاصة السلطة التنفيذية التي يقع على كاهلها عبء ثقيل ـ باهرة إلى الحدّ الذي يجعل كل منصف يراها يُشيد بها وُيثني عليها, ولو أردت الآن ذكر ما استحضره منها لملأت صفحة طويلة, ويجب على الأخوة المسؤولين أن يبينّّوا ضخامة هذه الإنجازات للناس؛ لكي يدركوا مدى المشقّة التي تحمّلوها في هذا السبيل.

 وجاء هذا كله بفضل اقتفاء نهج الإمام.

 وقد منَّ الله على هذا البلد، وبقي البناء الذي شيّده الإمام راسخ الأركان وعميق الجذور, كما أن المنن الإلهية على هذا الشعب كبرى وعظيمة.

 لقد عاد إلى الوطن بلطف الله خمسون ألف أسير، وانهار قطب الاتحاد السوفيتي الذي كان بمثابة مناهض لنا طوال هذه السنوات، وأحرز شعبنا نجاحات كبرى في شتّى الميادين، وأجريت لدينا انتخابات عديدة، وكانت للشعب مشاركة بارزة في شتّى الميادين، وأذكر على سبيل المثال مشاركة ثلاثين مليوناً من أبناء الشعب في انتخابات رئاسة الجمهورية التي أجريت قبل سنتين.

 وهذا كله من معالم رحمة الله ولطفه.

 نحن نفتخر بأن لنا شعباً شاباً وحياً ومتوثّباً، ونفتخر بوجود مسؤولين مؤمنين وقنوعين ونزيهين يديرون دفّة شؤون البلاد، ونفتخر بأن شعبنا استطاع ـ والحمد لله ـ وعلى الرغم من العداء الإستكباري ومن كل هذا التآمر، أن يخطو خطوات واسعة على طريق الثورة الشائك العسير، وأن يبني البلد.

 وستزداد حركة البناء هذه يوماً بعد آخر إن شاء الله، وسنتقدّم بخطوات أوسع صوب تحقيق العدالة الاجتماعية، وستزداد يوماً بعد آخر بإذن الله مظاهر التمسّك بأسس الإسلام والتعبّد بأحكامه في هذا البلد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]. آية الله السيد محمد هادي الحسيني الميلاني (1313 - 1395 هـ ) ولد في مدينة النجف الأشرف، في عائلة علمية معروفة بالفضل والتقوى. درس على شيخ الشريعة الأصفهاني، وضياء الدين العراقي، المرحوم الميرزا علي القاضي، والعلامة المجاهد الشيخ البلاغي.كان آية الله العظمى السيد الميلاني من العلماء البارزين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة التصدي لممارسات الشاه التعسفية. له كثير من المؤلفات القيّمة التي تعبر عن مدى طول باعه وسعة إطلاعه بمختلف العلوم. توفى في مدينة مشهد المقدسة، ودفن على بعد سبعة أمتار من المرقد الشريف للإمام علي بن موسى الرضا ×.

 [2]. السيد البروجردي (1292 ـ 1380هـ) حسين بن علي بن أحمد بن علي نقي بن جواد بن مرتضى الطباطبائي الحسني، البروجردي، نزيل قم. وكان فقيهاً متضلعاً، خبيراً بكافة الآراء الفقهية لجميع المذاهب الإسلامية، أديبا بالعربية، والفارسية، ضليعاً بأنساب العلويين، ملماً بالفلسفة والحكمة والرياضيات. ولد في بروجرد، وقصد النجف الأشرف سنة (1319هـ)، فحضر الأبحاث العالية فقهاً وأصولاً على محمد كاظم الخراساني واختص به، وحضر أيضاً على شيخ الشريعة الأصفهاني، ولازم بحثه في علم الرجال مدة طويلة. عاد إلى بروجرد سنة (1328هـ)، فأكبّ على المطالعة والتحقيق والدراسة في مكتبته الخاصة، ووجّه عنايته إلى ما ألّفه علماء الإسلام (سنة وشيعة) في حقلي الحديث والرجال حتّى تبحّر فيهما، وأصبحت له فيما بعد آراؤه ومدرسته الخاصة به في هذين العلمين. ثمّ توافدت عليه الوفود العلمية والدينية من مدينة قم ـ وهو مقيم بطهران للعلاج ـ داعية إياه للإقامة في هذه المدينة لتنظيم شؤون الحوزة العلمية فيها، فهبطها سنة (1364هـ)، وتصدّر بها لتدريس الفقه والأصول، كما قام أيضاً بإلقاء دروس في علم الرجال على بعض المختصّين به.واتجهت إليه الأنظار بعد وفاة مرجع الطائفة السيد أبو الحسن الأصفهاني‏ سنة (1365هـ)، ولم تمض إلاّ مدّة يسيرة، حتّى أصبح من أكابر زعماء الإمامية، وأشهر مراجع التقليد لديهم.

 موسوعة طبقات الفقهاء: ج‏14، قسم‏1، ص 213.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، صلاة الجمعة، الزمان: 14/3/1378ش. 19/2/1420هـ. 4/6/1999هـ. ، الذكرى السنوية العاشرة لرحيل الإمام الخميني (ره)

 

 

احدث الاخبار

الاكثر قراءة