الرسائل الكامنة في أحكام القادة العسكريين (مذكرة ضيف)
التاريخ: 19-08-2026
الدكتور داود منظور* تحمل الأحكام الأخيرة التي أصدرها القائد الأعلى للثورة الإسلامية لتعيين القادة رفيعي المستوى في القوات المسلحة، ولاسيما حكم رئيس منظمة بسيج المستضعفين، إشارات إلى نموذج حكم جديد في البلاد في ظل الظروف الراهنة، يتمحور توجهه الرئيسي حول تركيز القيادة والسلطة في القمة، وبناء شبكات اجتماعية في القاعدة، وربط الأمن والمعلومات والتعبئة العامة والتكنولوجيا والخدمات الاجتماعية في المستوى الوسيط. ويُنتج هذا التركيب نموذجاً يمكن تسميته «حكم المقرات في المركز وحكم شبكي-بسيجي في المجتمع».
المكون الأول لهذا التوجه هو النظر إلى أوضاع البلاد على أنها حالة مواجهة استراتيجية مستمرة. فقد ورد في حكم قائد الحرس الثوري ذكرٌ لمواجهة مصيرية، وفي حكم رئيس هيئة الأركان العامة جُعلت التهديدات العسكرية التقليدية إلى جانب التهديدات الحديثة والإدراكية والهجينة. وبناءً على ذلك، لم يعد الأمن مجالاً منفصلاً عن الاقتصاد والمجتمع والإعلام والتكنولوجيا، بل أصبح المبدأ المنظم للحكم.
وفي هذا الإطار، تُعدّ البنى التحتية الاقتصادية والفضاء الافتراضي والإعلام والحي والمسجد ورأس المال الاجتماعي وحتى الخدمات العامة، عناصر من عناصر القوة والمرونة الوطنية. وهذا هو منطق «الدفاع الشامل» الذي يُقلل الحدود بين الجبهة وخلف الجبهة، وبين المجال العسكري والمدني.
المكون الثاني هو التوجه نحو تركيز أكبر للسلطة ووحدة القيادة. ويُعد أمر إكمال دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة ومقر خاتم الأنبياء المركزي من أهم العبارات الواردة في هذه الأحكام. ومعناه المؤسسي هو تقريب مستويات التخطيط الاستراتيجي والقيادة العملياتية، وتقصير سلسلة اتخاذ القرار، وتقليل تعدد مراكز المسؤولية.
ويبدو أن تجربة الحرب والأزمات المتراكمة قد عززت هذا الاستنتاج بأن نظام اتخاذ القرار في البلاد يتضرر من تشتت السلطة وبطء القرار والفاصل بين القرار والتنفيذ. والرد المنشود هو تعزيز مركز قيادة متماسك، موجه نحو المهام، ويتمتع بإمكانية الرد السريع. وميزة هذا النموذج هي زيادة السرعة والتنسيق.المكون الثالث هو الانتقال من الردع الدفاعي في معظمه إلى الردع النشط والهجومي. فالتنصيص على الاستعداد لتنفيذ عمليات هجومية قوية يدل على أن الردع في الرؤية الجديدة ليس مجرد القدرة على الرد بعد الهجوم، بل يجب أن يشمل المبادرة وسرعة الرد والقدرة على نقل الضغط إلى العدو.
كما أن التأكيد المتزامن على الإشراف المعلوماتي والتقنيات الحديثة والتدريب والمهارات والاستعداد القتالي يُظهر أن هذا التوجه لا يسعى إلى قوة عسكرية أكبر حجماً فحسب، بل يطلب تنظيماً معلوماتياً وتكنولوجياً يتمتع بقوة القرار والتحرك السريع.
أما أهم علامة على التحول في نموذج الحكم فيجب البحث عنها في حكم رئيس منظمة بسيج. ففي هذا الحكم، لم يعد بسيج مجرد قوة للدفاع العسكري أو الترويج الثقافي، بل أُعيد تعريفه كشبكة شاملة لتنظيم الشعب وجمع المعلومات ومواجهة التهديدات الهجينة وتقديم الخدمات الاجتماعية. ويُعبر شعار «كل إيراني بسيجي» عن الانتقال من بسيج قائم على العضوية إلى بسيج قائم على المجتمع. والهدف المعلن هو أن توضع قدرات جميع الشعب في خدمة إيران قوية وموحدة ومقاومة. ويمكن اعتبار الاستخدام المتزامن لمفاهيم إيران والوحدة الوطنية والثورة الإسلامية والمقاومة محاولة لربط الهوية الوطنية بالهوية الثورية.
ويُعد التأكيد على تعزيز شبكة المعلومات الشعبية، إلى جانب التدريب وزيادة البصيرة واستخدام التقنيات الحديثة، من أبرز مكونات الحكم الجديد وأشدها حساسية. كما أن اختيار مدير ذي خلفية معلوماتية طويلة لرئاسة منظمة بسيج يدل على أن المهمة المعلوماتية لبسيج ليست أمراً ثانوياً. وفي هذا النموذج، يتحول المجتمع إلى شبكة موزعة للكشف المبكر عن التهديد ومواجهة التسلل والحرب الإدراكية والتخريب والأزمات.
ويمكن لهذه الشبكة أن تزيد في ظروف الحرب والأزمات من قدرة الإنذار السريع ومرونة البلاد.
مكون آخر هو تحويل بسيج إلى وسيط بين السلطة والمجتمع. ويؤكد الحكم الجديد على تفاعل بسيج مع المؤسسات الحاكمة والحكومية والعامة، وتوسيع الجماعات الجهادية وبسيج الشرائح والأحياء لتطوير الخدمات الاجتماعية بمحورية المسجد. وبهذا يصبح للبسيج ثلاث وظائف متزامنة: التنظيم الأمني، والتعبئة الاجتماعية، وتقديم الخدمات العامة. كما يتحول المسجد من مكان للعبادة والنشاط الثقافي إلى قاعدة حكم محلي، لرصد المشكلات وتنظيم المتطوعين وتقديم الخدمات في الأزمات. ويمكن لمثل هذه الشبكة أن تعوض ضعف وصول الدولة في بعض المناطق.
وفي هذه الأحكام، تُوضع التقوى والبصيرة والروح الجهادية وثقافة المقاومة إلى جانب الإدارة العلمية والمهارات الحديثة والتدريب المتخصص والإشراف المعلوماتي والتكنولوجيا الجديدة. ويجب أن يكون التنظيم المنشود في هذا النموذج متماسكاً من الناحية القيمية، ومواكباً للعصر من الناحيتين العلمية والإدارية والتكنولوجية. كما يدل تركيب القادة المعينين على إعادة ترتيب المديرين ذوي الخبرة لإدارة مرحلة استثنائية.وفي النموذج المنعكس في هذه الأحكام، تعني المشاركة في الغالب تنظيم الشعب لتنفيذ المهام المحددة. ولذلك يمكن تسمية الشعبية المنشودة «مشاركة مُعبَّأة وموجهة». وفي شعار «كل إيراني بسيجي» يُعترف بالتنوع السياسي والثقافي والإثني وأنماط الحياة المختلفة، ويتحول بسيج إلى وعاء لتعاون جميع الإيرانيين.وخلاصة القول، تدل الأحكام الأخيرة على ظهور نموذج يتركز فيه السلطة أكثر على المستوى الاستراتيجي، ويصبح التنفيذ أكثر شبكية على مستوى المجتمع، وتُضعف الحدود بين الأمن والمعلومات والثقافة والخدمات الاجتماعية. ويمنع هذا النموذج تشتت القيادة وبطأها في الأعلى، والضعف المعلوماتي والاجتماعي في الأسفل، وتكمن نقطته القوية في سرعة القرار ووحدة القيادة وتعبئة الموارد وزيادة المرونة. وفي هذا التوجه تتحول «الشبكة الشعبية» إلى أداة لزيادة الثقة والتماسك وتقديم الخدمات.
توصيات ومقترحات لتحقيق نموذج الحكم الجديد
١. تنظيم بناء الشبكات الشعبية بمحورية البسيج
يمكن للبسيج، بوصفه «المركز الاستراتيجي للشبكات الشعبية»، أن يتولى مسؤولية تصميم أنماط التفاعل والوساطة بين الشعب والمؤسسات، والإشراف على تنفيذ المهام الموكلة (دون أن يؤدي ذلك إلى السيطرة العملياتية على المجالات التخصصية للأجهزة).
٢. تسريع التحول الرقمي والذكاء في المستويات الاستراتيجية والعملياتية
نظراً للتأكيد على التقنيات الحديثة في الأحكام، يُقترح إنشاء «مركز إدارة رقمية موحدة» في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة كنواة للمعالجة واتخاذ القرار الذكي. ويجب أن يوفر هذا المركز، باستخدام أنظمة قائمة على الذكاء الاصطناعي، إمكانية تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالتهديدات الهجينة وتقصير دورة القرار-التنفيذ. وفي الوقت نفسه، يُعد تطوير البنى التحتية التكنولوجية على مستوى الأحياء والمساجد، على منصات آمنة ومشفرة، أمراً ضرورياً لاستقبال المعلومات الشعبية ومعالجتها وتبادلها مع الحفاظ على الخصوصية.
٣. التركيز على المشاريع الاستراتيجية المحلية ذات النهج التشاركي النشط
لتحقيق شعار «كل إيراني بسيجي» عملياً، لا بد من الانتقال من النهج الأمري والإبلاغي إلى تمكين القواعد المحلية وتفويض الصلاحيات للفاعلين الوسطيين. ويُقترح تشكيل «مجلس تنمية وأمن الحي» في الأحياء، يتكون من الموثوقين والشباب ورواد الأعمال المحليين ورجال الدين في المساجد، حتى يحدد الناس أنفسهم، بأساليب تشاركية، أولويات الخدمات والثقافة والأمن، ويشاركوا في التنفيذ والإشراف. ويرتقي هذا الآلية ببسيج إلى «ذراع ميسّر ودافع للحكم المحلي».
٤. إنشاء جسر تواصلي متبادل بين المعلومات والخدمات لزيادة رأس المال الاجتماعي
التحدي الأكثر حساسية في هذا النموذج هو تقاطع الوظائف المعلوماتية والخدمية. وللحيلولة دون إدراك عام يقوم على الرقابة الأمنية، يجب أن ترتبط كل شبكة معلومات شعبية بـ«شبكة استجابة وتقديم خدمات سريعة»، بحيث يُدرج بسيج والمؤسسات الشريكة، مقابل الإبلاغ عن الأضرار أو تقديم المعلومات المحلية، حل المشكلة (بما في ذلك إزالة الحرمان والتشغيل والمساعدة الاجتماعية والتعاون المنظم مع الأجهزة المختصة) في جدول أعمالها في أقصر وقت ممكن. ويعزز هذا «التغذية الراجعة العملياتية» الثقةَ، ويزيد من حافز المشاركة الطوعية والمستمرة للناس بشكل ملحوظ.
٥. إعادة تصميم نظام التدريب التطبيقي بنهج رفع الوعي المركب والمتعدد الأبعاد
نظراً لطبيعة التهديدات متعددة الطبقات والهجينة (العسكرية والإدراكية والاقتصادية والبيولوجية والاجتماعية)، فإن إعادة النظر الأساسية في المناهج التدريبية للمسؤولين والمديرين الوسطيين أمر ضروري. ولا ينبغي أن تقتصر الدورات على المهارات القتالية فحسب، بل يجب أن تغطي مجالات مثل «إدارة الأزمات المركبة» و«الوعي الإعلامي وحرب الروايات» و«الاقتصاد المقاوم على مستوى الحي» و«مهارات التفاعل والحوار مع شرائح المجتمع المتنوعة». وسيرتقي هذا التحول بالمديرين من مجرد وكلاء عسكريين إلى «مديري حكم شامل ومتكامل».
٦. تعزيز نظام تقييم مستمر وشفاف قائم على مؤشرات موضوعية ووظيفية
لتجنب البيروقراطية أو انخفاض السرعة العملياتية أو الابتعاد عن الأهداف الأولية، يُقترح تحديث نظام تقييم مستقل بمؤشرات كمية ونوعية، مع التركيز على مؤشرات مثل «زمن الاستجابة للأزمات» و«معدل الكشف المبكر عن التهديد» و«نطاق تغطية الخدمات المحلية» و«معدل المشاركة الشعبية» و«مؤشر رأس المال الاجتماعي». ويجب أن تُعاد تقارير التقييم دورياً إلى المستويات الاستراتيجية حتى تتم عملية الإصلاح وتحديث الاستراتيجيات استناداً إلى الأدلة التجريبية.
٧. تعزيز خطاب الوحدة مع أولوية «إيران القوية» على أي تصنيفات حزبية
يتوقف نجاح نموذج «الحكم الشبكي-البسيجي» على إقامة خطاب قائم على «التعاون الوطني» و«المصالح المستدامة للبلاد». ويُوصى بالاستفادة المنهجية من قدرات الفنانين والرياضيين والنخب العلمية والقوميات المختلفة لتعزيز رواية «إيران الموحدة والمقاومة والمتقدمة»، حتى يتحول بسيج إلى وعاء للتآزر بين جميع الإيرانيين بمختلف أذواقهم وميولهم في إطار المصالح الوطنية، ويتجنب اختزاله في وظيفة حزبية أو أمنية أو مؤسسية بحتة.
الخلاصة
في الختام، يجب التأكيد على أن تحقيق التوجهات الاستراتيجية والجديدة الواردة في هذه الأحكام لن يتحول إلى نموذج محلي وفعال يستجيب لتعقيدات الإدارة الوطنية المتزايدة إلا إذا استند إلى ركنين أساسيين هما «تنمية ثقافة المشاركة النشطة» و«الاستثمار الهادف والمستدام في القدرات الشعبية». ويُعرّف مثل هذا النموذج الأمن المستدام لا بوصفه مفروضاً من السلطة، بل بوصفه نتاجاً نابعاً من أعماق المجتمع الإيراني. ويعزز هذا التوجه التماسك الأفقي والثقة العمودية في النظام الاجتماعي، ويمهد لارتقاء العزة الوطنية والاقتدار المتزايد للجمهورية الإسلامية الإيرانية في الساحتين الداخلية والخارجية، ويمكن أن يكون إطاراً مرجعياً للحكم الجديد في الظروف الحرجة والمعقدة المعاصرة.
• رئيس منظمة البرنامج والميزانية في حكومة الشهيد رئيسي
احدث الاخبار
رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة يحذر من تقديم أي مساعدة للجيش الأميركي المعتدي
الرسائل الكامنة في أحكام القادة العسكريين (مذكرة ضيف)
طهران تحيي مراسم أربعين الإمام الشهيد بحضور جماهيري ورسمي حاشد
ناشط فلسطيني: فلسطين شكّلت البوصلة الجامعة في مشروع الإمام الخامنئي (ره)
آية اللّه الكعبيّ: معطيات الميدان تثبت الانتصارات الإستراتيجيّة لجبهة المقاومة
الحرس الثوري: سنرد على أي تهديد أو اعتداء بكل حزم
هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية: لن نتراجع حتى هزيمة الأعداء بشكل كامل
إقامة مراسم تأبين قائد الثورة الشهيد في طهران وقم ومشهد
صنعاء: نقف إلى جانب حزب الله والمقاومة اللبنانية ونحن جزء من المعركة
حزب الله: على العدو الإسرائيلي أن يفهم جيدا أن اعتداءاته لا يمكن أن تستمر وستقابل بما يناسبها
الاكثر قراءة
أربعون حديثاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام)
ما أنشده الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حق الإمام الخامنئي
أحكام الصوم للسيد القائد الخامنئي
أربعون حديثا عن الإمام الهادي (ع)
مختارات من كلمات الإمام الخامنئي حول عظمة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)
أربعون حديثاً عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
مبادئ الإمام الخميني العرفانية
شهيد المحراب (الثالث) آية الله الحاج السيد عبد الحسين دستغيب
ماذا يقول شهداء الدفاع عن العقيلة؟.. الشهيد السيد إبراهيم في وصيته: لقد ذهب زمان ذل الشيعة+ صور
أربعون حديثا عن الإمام الباقر(ع)