Skip to main content

القول الفصل في خطاب قائد الثورة الإسلامية حول فلسطين

التاريخ: 04-10-2011

القول الفصل في خطاب قائد الثورة الإسلامية حول فلسطين

المتتبع لخطابات قائد الثورة الإسلامية حول القضية الفلسطينية، سيقف على ثابت وهو التحرير الشامل، وعلى متغير مما تفرضه الوقائع في مسار الصراع مع العدو الصهيوني

المتتبع لخطابات قائد الثورة الإسلامية حول القضية الفلسطينية، سيقف على ثابت وهو التحرير الشامل، وعلى متغير مما تفرضه الوقائع في مسار الصراع مع العدو الصهيوني..لكن تبقى لخطابه الأخير بمناسبة المؤتمر الدولي الخامس لدعم الانتفاضة الفلسطينية قيمته الاستثنائية.

 

لا يمكن وصف خطاب قائد الثورة الإسلامية سماحة الإمام السيد علي الخامنئي في افتتاح المؤتمر الخامس لدعم الانتفاضة الفلسطينية الاّ بالخطاب التاريخي والاستثنائي، وسيدرج الخطاب بلا شك ضمن أهم الوثائق التي تتصل بالصراع ضد المشروع الصهيوني منذ نشأته، تأتي أهمية الخطاب أولا لاستيعابه للبعد التاريخي في الصراع مع الدقة في تشخيص منعطفاته ورسم مفاصله وفق منهج تحليلي نقدي يسمح بفهم عناصر المد والتراجع في المسيرة الكفاحية لقوى المقاومة، وبتشخيصه لراهن الصراع وفق موازين القوى الفعلية على الأرض وليس كما تصورها الدعاية الصهيونية، أو توحي بها الإدارة الأمريكية، فضل على اشتمال الخطاب لخلاصة الدروس منذ بداية الصراع وتضمنه لخارطة طريق نحو هدف التحرير الشامل.

 

لقد كان لافتا تعرض الخطاب بالنقد للنزعة اليسارية والقومية والتي تأطر ضمنها الكفاح الفلسطيني على مدى عقدين من الزمن في الحد الأدنى مما كان له بالغ الأثر في إهدار المخزون الثقافي وعزل فاعليته في الصراع من خلال مفاهيم الجهاد والشهادة وغيرها، بل إن الادلجة المفرطة لدى فصائل المقاومة الفلسطينية وخاصة اليسارية منها- وإذا استثنينا حركة "فتح" نسبيا- حولتها إلى فصائل شبه معزولة عن الشعب لانعدام اللغة المشتركة بينهما، وللتباين في الرؤى على صعيد فهم طبيعة الصراع وموقع الدين والإيمان فيه.

 

هذا الخلل الجوهري والمتمثل في "عدم توفر الإيمان الديني الراسخ والانقطاع عن الشعب" كما جاء في الخطاب، أنتج الهزيمة النفسية ومن ثم الارتكاسة عن أهداف الحركة التحررية كما تجلى ذلك واضحا في اتفاقية أوسلو وما أعقبها من أداء سياسي لبعض الفصائل الفلسطينية لا يمكن وصفه إلا بالخيانة والتنكر للحقوق الثابتة والتاريخية للشعب الفلسطيني.

 

يقف الخطاب عند لحظة حاسمة من تاريخ الصراع أو من عمر النكبة وهي لحظة انقلاب المشهد والتحوّل في ميزان القوى.."القدرة الإلهية قلبت الصفحة فجأة، وقلب انتصار الثورة الإسلامية في إيران في سنة 1979م الأوضاع في هذه المنطقة رأساً على عقب، وفتح صفحة جديدة"، وغدا تحرير فلسطين والقضاء على الغدة السرطانية في جسم الأمة (إسرائيل) هدف الثورة الوليدة التي ضبطت بوصلتها على القدس..وبرغم كلفة هذا القرار وأثمانه الباهضة سياسيا واقتصاديا ظلت فلسطين في قلب الثورة وعنوانا لدورها الإقليمي والدولي.

 

ومع انتصار الثورة الإسلامية يضعنا الخطاب على مشارف مرحلة جديدة من الصراع بوجه العدو حين انبثقت الجماعات الفلسطينية المجاهدة الإسلامية، وبانطلاق المقاومة في لبنان بصيغة فريدة من خلال "حزب الله"، واعتماد الفلسطينيين على أنفسهم وعلى إيمانهم بعدما كسر انتصار الثورة الإسلامية كل المستحيلات في الصراع وأمد الشعوب بدرس ثري في معادلات القوى وطريقة تمثلها باستحضار البعد الغيبي القاهر.

 

ومن الاستعراض التاريخي التحليلي الذي يؤكد الإمام الخامنئي على ضرورة استلهام دروسه في التوجه المستقبلي؛ يصل بنا الخطاب إلى القراءة الآنية لمشهد الصراع حيث تقود مضمرات القراءة ومعطياتها في دائرة أعلى سلطة لدولة إقليمية كإيران إلى أن "الكيان الصهيوني اليوم مكروه وضعيف ومعزول أكثر من أي وقت آخر، وحاميته الرئيسية أمريكا مبتلاة متحيرة أكثر من أي وقت آخر".

 

ولانّ إيران معنية بهذا الصراع ومنخرطة فيه فكان لا بد من قول فصل تجدد من خلاله مواقفها وترسل رسائلها إلى أكثر من جهة في ضوء ما استجد من معطيات في مسار الصراع، فجاء الموقف الثابت "إن دعوانا هي تحرير فلسطين وليس تحرير جزء من فلسطين، أي مشروع يريد تقسيم فلسطين مرفوض بالمرة.. إن دعوانا هي تحرير فلسطين وليس تحرير جزء من فلسطين، أي مشروع يريد تقسيم فلسطين مرفوض بالمرة". في لغته السياسية يعتبر هذا الموقف ترجمة للموقع والمكانة الدولية والإقليمية التي تحتلها إيران، فوحدها دولة كبيرة ومطمئنة إلى موقعها وإمكاناتها يمكن لها أن تصل بالموقف من قضية كبيرة وحساسة كالقضية الفلسطينية هذه الدرجة من الوضوح "أي مشروع عملياتي يجب أن يكون على أساس مبدأ: كل فلسطين لكل الشعب الفلسطيني، فلسطين هي فلسطين؛ من النهر إلى البحر، وليس أقل من ذلك حتى بمقدار شبر".

 

وهو المشروع الذي تدرك القيادة الإيرانية أنه وإن اندرج ضمن الممكنات العسكرية والسياسية فإن درجة التحدي فيه كبيرة وعظيمة لذلك جاء الخطاب ليؤكد على "أنه من أجل الوصول إلى هذا الهدف السامي لا بد من العمل وليس الكلام، ولا بد من الجدّ وليس الممارسات الاستعراضية، ولا بد من الصبر والتدبير لا السلوكيات المتلونة غير الصبورة. ينبغي النظر للآفاق البعيدة والتقدم للأمام خطوة خطوة بعزم وتوكل وأمل".

 

بعد التأكيد على ثابت المقاومة كخيار في تحقيق الهدف السامي للشعب الفلسطيني في سيادته على أرضه، انفتح الخطاب على مقاربة سياسية للصراع حيث أعاد التذكير؛ تذكير المجتمع الدولي؛ بمشروع الجمهورية الإسلامية لحل قضية فلسطين وهو المشروع الذي وصفه المرشد بالمشروع الواضح والمنطقي والمطابق للعرف السياسي المقبول لدى الرأي العام العالمي، ولعله يناسب بعض الجوار الإسلامي ممن يأنف من الحرب الكلاسيكية، ويسحب من الصهاينة فزاعة رمي اليهود المهاجرين في البحر، يقول الاقتراح:إننا نقترح إجراء استفتاء للشعب الفلسطيني، فمن حق الشعب الفلسطيني كأي شعب آخر أن يقرر مصيره ويختار النظام الذي يحكم بلاده. يشارك كل الفلسطينيين الأصليين من مسلمين ومسيحيين ويهود - وليس المهاجرون الأجانب - أين ما كانوا، في داخل فلسطين أوفي المخيمات أوفي أي مكان آخر، في استفتاء عام ومنضبط ويحددوا النظام المستقبلي لفلسطين. وبعد أن يستقر ذلك النظام والحكومة المنبثقة عنه سوف يقرر أمر المهاجرين غير الفلسطينيين الذين انتقلوا إلى هذا البلد خلال الأعوام الماضية. هذا مشروع عادل ومنطقي يستوعبه الرأي العام العالمي بصورة صحيحة، ويمكن أن يتمتع بدعم الشعوب والحكومات المستقلة".

 

وبمعزل عن جوانب الإنصاف التاريخي والاحتكام إلى الآلية الديمقراطية في هذا المقترح؛ التي يزايد بها الغرب على بقية الشعوب والثقافات؛ وقوته الاختراقية، وبمعزل عن موقف الصهاينة ومن يدعمهم من كل ذلك، فإن اقتراح هذه الصيغة من الحل بأبعادها الإنسانية والحضارية في تناول مصير اليهود في أرض فلسطين أو من هاجر إليها قبل نشأة الكيان يمثل في الوعي الصهيوني أجراس القيامة لأسطورة الدولة اليهودية، ويعمق من أزمة الوجود التي يعاني منها الكيان الغاصب والتي فاقمها انتصار "حزب الله" على العدو الصهيوني في حرب تموز2006م.

 

وفي ما يشبه إغلاق القوس، ولعله من باب دفع أي التباس لدى البعض، عاد الخطاب ليؤكد على أنّ "منظمات المقاومة الإسلامية التي تحملت في الأعوام الماضية أعباء الجهاد الثقيلة لا تزال اليوم أيضاً أمام هذا الواجب الكبير. مقاومتهم المنظمة هي الذراع الفاعل الذي بمقدوره أخذ الشعب الفلسطيني نحو هذا الهدف النهائي".

 

ولإظهار أن اوباما يجذف خارج التاريخ، وأن خطه الأحمر الذي يحوّق به دولة (إسرائيل) الغاصبة مجرد وهم سيتكسر، كانت الإشارة ضرورية للشعوب المسلمة الثائرة التي لم تعد تريد "بأن تتحكم فيهم أمريكا وأوربا وعملاؤهم، ويفرضون عليهم الهوان"، فالزمن غير الزمن، وكما كان لانتصار الثورة الإسلامية في إيران فاتحة عهد جديد من الانتصارات في اتجاه الهدف الكبير، فإن صحوة الشعوب الإسلامية ستكون رافعة قوية لنضال الشعب الفلسطيني.

 

 

 

احدث الاخبار

الاكثر قراءة