Skip to main content

الإِمَام الخُمَيْني كَدْحٌ فِي ذَاتِ الله

التاريخ: 04-07-2011

الإِمَام الخُمَيْني كَدْحٌ فِي ذَاتِ الله

الإِمَام الخُمَيْني كَدْحٌ فِي ذَاتِ الله بسم الله الرحمن الرحيم يدور هذا الأسبوع حول الإمام الخميني (طيّب الله ثراه)، وذلك بمناسبة الذكرى الرابعة عشر لرحيله من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، وأرغب أن أشير إلى ملاحظة قبل الدخول في موضوع البحث

الإِمَام الخُمَيْني كَدْحٌ فِي ذَاتِ الله

بسم الله الرحمن الرحيم

يدور هذا الأسبوع حول الإمام الخميني (طيّب الله ثراه)، وذلك بمناسبة الذكرى الرابعة عشر لرحيله من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، وأرغب أن أشير إلى ملاحظة قبل الدخول في موضوع البحث.

الملاحظة:

إن ذكرى رحيل الإمام الخميني العظيم في هذا العام، تكتسب أهمية خاصة بالغة، وذلك لأنها تأتي بعد العدوان الأمريكي على العراق واحتلاله، وبعد قمتي شرم الشيخ والعقبة المشؤومتين، اللتان تدلان على التسليم المطلق من الأنظمة العربية المشاركة في القمتين للإرادة الأمريكية والصهيونية، والانصياع الكامل لهما. والذكرى تقدّم لنا نموذجاً شامخاً في رفض الهيمنة الصهيونية والأمريكية، والثبات والصمود في مقاومتهما بالفكر والعمل، ويمكننا الاقتداء بتلك الشخصية العظيمة في الظروف الراهنة، التي دخلت علينا فيها أمريكا والصهيونية الدار، وأصبحتا اللاعبين الرئيسيين في تحديد حاضر ومستقبل المنطقة. وهنا أرغب أن أذَكّر بثلاث نقاط حول قمتي شرم الشيخ والعقبة، أرى أهمية التذكير بها، ولفت النظر إليها، والنقاط هي:

1) النقطة الأولى: أن القمتين لا تعبّران عن إرادة الشعوب العربية والإسلامية، وتدلاّن على ضعف الأنظمة العربية في مواجهة الضغوطات الخارجية، وذلك لسببين:

* السبب الأول: أن الأنظمة العربية لا تحمل رسالة إلى العالم، وتملك مشروعاً ثقافياً بعد تخلّيها عن الإسلام، مما جعل مشروعها السياسي مشروعاً سطحياً سلطوياً لا قيمة له، وكل ما يهم الأنظمة العربية، هو الاحتفاظ بكرسي الحكم للحاكم بأي ثمن، وإن كان على حساب رسالة الأمة وقيمها وسيادتها ومصالحها الجوهرية.

* السبب الثاني: انفصال الأنظمة العربية عن شعوبها، فهي لا تستمد شرعية وجودها من الشعوب، ولا تستمد شرعية دورها من الشعوب، ولا تشارك الشعوب مشاركة جدية في صياغة القرارات مما أدى إلى فصل مصير الأنظمة عن مصير الشعوب، وأصبح هم الكثير من الشعوب العربية هو التخلص من أنظمتها بدلاً من دعمها والوقوف إلى صفها كما حدث في العراق.

2) النقطة الثانية: من الواضح رفض قوى المقاومة الفلسطينية للقمتين وما نتج عنهما، لاسيما قمة العقبة، وبالتالي فإن أبو مازن قد ذهب إلى القمتين بدون الاتفاق مع قوى المقاومة رغم ما تمتلكه المقاومة من رصيد شعبي، وما تلعبه من دور جهادي وسياسي على الساحة الفلسطينية، وهذا ما يميز الأنظمة العربية من تخلّف في الإدارة، وهو سر تخلّفها وفشلها المستمر على جميع الجبهات، وما لم يتغير هذا الأسلوب الاقتصادي الفاشل، فإننا لن نجني إلا التخلّف والفشل على جميع الجبهات. وإن أخوف ما نخافه، أن تتحول خارطة الطريق، بدلا من إقامة الدولة الفلسطينية، إلى اقتتال داخلي بين الفلسطينيين، وأن تخوض السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن، حرباً مع قوى المقاومة الفلسطينية بالنيابة عن الكيان الصهيوني.

3) النقطة الثالثة: من المثير للعجب والاستغراب، غياب الدولتين، السورية واللبنانية عن القمتين، رغم أنهما دولتي مواجهة مع الكيان الصهيوني، ولديهما أراضي محتلة مما يدل على أن أمريكا تجمع الأنظمة العربية وتفرقهما حسب إرادتها، وكما تقتضيه سياستها ومصالحها، والانصياع الكامل من الأنظمة العربية التي حضرت القمتين لهذه الإرادة والسياسة والهيمنة، فأي شيء نرجوه من هذه الأنظمة بعد ذلك؟!

بعد هاتين الملاحظتين المهمتين اللتين أرجو أن أكون قد أفدت بذكرهما، أعود إلى أصل الموضوع الذي يدور حول الإمام الخميني (طيّب الله ثراه).

:: الإمام الخميني العظيم، كانت حياته كلها كدحاً في ذات الله تعالى ذي الجلال والإكرام.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. صدق الله العلي العظيم، الانشقاق، الجزء الثلاثون، الآية 6.

ولأن حياته كانت كدحاً في ذات الله تعالى، فقد اتسمت بالحقيقة والجدّية، فلم يجر الإمام (طيّب الله ثراه) وراء السراب، ولم يشرب من ماء البحر الذي كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً، وإنما كان يمشي بنفس مطمئنة وراء حقائق عقائدية قطعية وواضحة، ومشاهدات عرفانية لا يتسرّب إليها الشك، وكانت دابته إرادة إيمانية فولاذية لا تكل ولا تتعب، وزاده في الطريق التقوى وموائد العرفان. كما اتسمت حياته بالجدّية التامة!! كأن يأخذ الأمور الجوهرية بأقصى درجات الجد، كان يأخذ التفكير في المسائل الجوهرية بأقصى درجات الجد، وكذلك يأخذ تشخيصها بأقصى درجات الجد، وكذلك الأقوال أو الأطروحات والمواقف فيها... كلها كان يأخذها بأقصى درجات الجد لأنه كان يعلم يقيناً بأنه موقوف بين يدي الله العظيم ومسؤول ومحاسب عن جميع ذلك..

قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. الزلزلة، الجزء الثلاثون، الآيتان 7-8.

فكانت هذه العلاقة الوجودية المصيرية التي تربطه بالله العظيم حاضرة في كل تصرفاته، فكان يتصرف بمسؤولية عميقة جداً جداً في ضوء هذا الحضور الربّاني العظيم، إنه يفكر والله العظيم أقرب إليه من حبل الوريد، ويشخص الأمور، والله العظيم أقرب إليه من حبل الوريد، ويعطي الأطروحات، أو يقدم الأطروحات، والله العظيم أقرب إليه من حبل الوريد، ويتخذ المواقف في الأمور الجوهرية والقضايا المصيرية، بل كل الأمور، وكل القضايا، والله العظيم أقرب إليه من حبل الوريد، فلم يكن يخضع شيئاً من ذلك للمجاملات أو المزايدات أو الضغوطات أو الترهيب أو الترغيب، وإنما يخضعها لمرضاة الله تعالى ذي الجلال والإكرام وأحكامه!!

وأيضاً: لما كانت حياة الإمام الخميني - رحمه الله تعالى برحمته الواسعة، وأسكنه الفسيح من جناته، وأعطاه ما كان يسعى إليه من منازل القرب والمكاشفة والمحادثة والمناجاة - لما كانت حياته كدحاً في ذات الله تعالى ذي الجلال والإكرام، فقد اهتم بتأديب نفسه بآداب ربّه، وكانت نفسه ميدان جهاده الأول، وقد أحسن تأديب نفسه، حتى أصبح بحق قدوة العلماء والفقهاء والعارفين والقادة والمجاهدين، كما اهتم بتأديب الناس وقيادتهم إلى الله تعالى ذي الجلال والإكرام وتعبيدهم إليه ضمن المشروع الإلهي العبادي الشامل.

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. الذاريات، الجزء السابع والعشرون، الآية 56.

فكان كثير الاهتمام بالناس ولاسيما المستضعفين منهم، وكان كثير الاهتمام بالجماهير، فكان يتواضع إليهم تواضعاً جماً وهو الفيلسوف الكبير، والعالم والفقيه المتميّز، والعارف السابق، والقائد العظيم، كان يتواضع كثيراً للجماهير ويواسيهم ويعتذر إليهم عن التقصير، وكان يثق فيهم ويعتمد عليهم ويعترف إليهم بالفضل في ما يتم إنجازه من مشاريع إسلامية ضخمة وفي مقدمة ذلك إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران والمحافظة عليها، وكان على الجمهورية يتواصل معهم ويشاورهم في الأمور التي تعود إليهم، بما في ذلك التصويت على الجمهورية والدستور والانتخابات الرئاسية والبرلمانية وغيرها من الانتخابات، وكان شديد المحبة إليهم والعطف عليهم والتسامح معهم، وقد تميز خطابه الجماهيري بالوضوح التام ليعرف الناس على طريقهم في الحياة، ويساعدهم على الخيارات الراشدة التي فيها خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، رغم دقة أسلوبه العلمي في الكتابة ورقيه، وكل ذلك كان يأتي بالتلقائية تامة دون تكلّف، مما يدل على عظيم معاناته وكفاحه وجهاده، وكل ذلك كان ينبع من منهجه العرفاني الصافي الراقي، وقد سار خليفته آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (حفظه الله تعالى بحفظه الدائم) على نفس النهج حميد العقبى في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. الصف، الجزء الثامن والعشرون، الآيات10-13.

وقد أمن الإمام الخميني (رحمة الله تعالى وطيّب ثراه) بإقامة الدولة الإسلامية وسعى من أجل قيامها وضحى من اجلها ومن المحافظة عليها بتضحيات جسام، ولم يثنيه عن ذلك شيء، كجزء من المشروع الإلهي العبادي...

قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

الذي يقضي بإخضاع الناس في كل تفاصيل وجزئيات حياتهم العامة والخاصة إلى الله تعالى (عزّ جلاله)، بما في ذلك إقامة الدولة الإسلامية التي تقوم على ضوء أحكام الله ومنهجه الذي أنزله على رسوله العظيم (صلى الله عليه وآله) ليسلك بالناس طريق سعادتهم في الدنيا والآخرة، وجعلنا الله تعالى من الفائزين المفلحين به في الدنيا والآخرة.

ومن الملفت إلى الانتباه جسارة الإمام الخميني (رحمة الله تعالى عليه) في تقديم التضحيات الجسام ومنها الشهداء الأعزاء في الطريق الذي سلكه في الجهاد وإقامة الدولة الإسلامية والمحافظة عليها بشكل لم يسبق له مثيل عند أحد من الفقهاء قبله، وهي تضحيات لم يجسر عليها قبله إلا الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وهو التقي الورع وتحرّز الفقهاء في تقديم التضحيات لاسيما الدماء، لعلمهم بأن التفريط في الدماء والأرواح وغيرها في سبيل الهوى وحب الذات والمصالح الشخصية والقضايا غير المضمونة ووضعها في غير محلها يهوي بالإنسان إلى قعر جهنم والعياذ بالله العظيم من غضبه العظيم، وهذا لا يقدم عليه فقيه ورع، ولكن الإمام الخميني كان يمتلك رؤية إسلامية شاملة وواضحة، وهو يسلم بصحتها، ولهذا لزمها وتمسّك بها وسار عليها، ولم يفرط فيها أو يميل عنها يميناً أو شمالاً، ولزم الصراط المستقيم فيها، ولم يخضع فيها وفي تطبقها إلى العوامل والمؤثرات الذاتية، وإنما قام بدوره الوظيفي الشرعي فيها، رحمه الله تعالى وأعلا مقامه، وأقرّ عينيه وأرضاه، وأجزل له الثواب من عنده، إنه واسعا كريم، وحشرنا وإياه مع محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين، آمين رب العالمين.

ومما تميّز به الإمام الخميني العظيم (رحمه الله تعالى وطيّب ثراه) أنه رفع شعار "الموت لأمريكا الشيطان الأكبر" لم يكن ذلك مجرد شعار سياسي، وإنما كان شعاراً متميّزاً يضع حدّاً فاصلاً بين منهجين:

* المنهج الإلهي العبادي: الذي يؤمن به ويدعو إليه ويجاهد من أجل العمل وتطبيقه.

* والمنهج العلماني اليهودي: التي تحدثت عنه الآية الشريفة المباركة التي قمت بتوضيح بعض مضامينها الشريفة المباركة قدر الوسع والطاقة والتوفيق، وفي سبيل توضيح وإضاءة جوانب مهمة من الشعار العظيم...

أقول: إن إبليس الشيطان الأصغر، وأمريكا الشيطان الأكبر، كلاهما يسعيان لكي يقطعان على الإنسان طريقه إلى الله تعالى ذو الجلال والإكرام ولكن أمريكا الشيطان الأكبر، تمتاز على إبليس الشيطان الأصغر بميزة جوهرية مهمة، وهي: أن إبليس الشيطان الأصغر إنما تكبر على الإنسان ورفض أمر الله تعالى بالسجود لله.

وحكى الله تعالى عنه بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. الأعراف، الجزء الثامن، الآية 12. ولم يتكبر على الله تعالى وقد اعترف لله بالخالقية واستحقاق العبادة، أما أمريكا الشيطان الأكبر التي تتبنى العقيدة اليهودية التي أوضحتها الآية الشريفة المباركة، فإنها تتكبر على الله تعالى وليس على الخلق فحسب، وتريد أن تحبس الله تعالى بغرورها في سمائه بعيد عن الأرض وشؤون الإنسان، وتغلّ يديه عن التدخّل في شؤون الناس وتفرض إرادتها على إرادته تعالى، وتفرض منهجها بدلاً من منهجه، ودينها بدلاً من دينه، وتفرض هيمنتها على الناس جميعاً، وتجعلهم عبيداً لأمريكا والصهاينة بدلاً من أن يكون عبيداً مطيعين لله تعالى، وهذا هو الغرور الذي سوف يقضي عليها في الزمن غير البعيد إن شاء الله تعالى.

نسأل الله بقدرته تعالى ولطفه، أن يجعلنا ممن يشهد ذلك اليوم القريب غير البعيد الذي تهلك فيه أمريكا، وتضاء الأرض بنور ربّها وبنور محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

أما عن تكليفنا الشرعي أمام الهيمنة الأمريكية الصهيونية ومنهجهما في الحياة فهو الرفض والمواجهة، أقول هذا وقد دخلت علينا أمريكا والصهيونية، وأصبحنا اللاعبين الأساسيين في تحيد مصير المنطقة والعالم، وعلينا أن نستفيد ونتعلم من تجربة الإمام الخميني العظيم وصموده في رفض الهيمنة الأمريكية والصهيونية ومقاومتها بالفكر والقول والعمل والعاقبة للمتقين.

أقول هذا وأؤكد على أن نقطة البداية في مواجهة ذلك هو النجاح في الإصلاحات الداخلية، وما لم ننجح في إيجاد الإصلاحات الداخلية الحقيقية، وبقينا متخلّفين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً كما نحن عليه الآن بسبب الأنظمة الدكتاتورية الشمولية، فإننا لم ننجح في رد العدوان والتدخلات الخارجية، ولن نكون شركاء للعالم في النهضة والتقدم، ولن ننجح في إبلاغ العالم برسالة السماء التي هي قدرنا وتكليفنا الشرعي العظيم. إن الإصلاحات الداخلية هي نقطة البداية، وحينما نؤكّد ونصرّ عليها، فإننا لا نقدم خدمة لوطننا ومواطنينا فحسب، وإنما نقدم خدمة للعالم والعالميين، وهذا هو إيّاه ولا حرمنا منه، إنه واسع كريم، وهو على كل شيء قدير.

وفي ختام هذا الحديث أذكر بالمسألة التالية في سبيل تحقيق الشعوب العربية للنجاح في الإصلاحات الداخلية الحقيقية، وهي أن عليها أن تتمسك بالمبدئين التاليين، وهما:

1) المبدأ الأول: رفض كل خطوة تراجعية على مستوى المبادئ والواقع، على مستوى المبادئ مثلاً ما هو عندنا في البحرين كان لدينا دستور تعاقدي، فألغي ذلك الدستور وأعطينا دستور منحة، والمطلوب رفض دستور المنحة من حيث المبدأ لأنها خطوة تراجعية بغض النظر عن مضمونها، لأننا إذا قبلنا بدستور المنحة كبديل عن الدستور التعاقدي لأن مضمونه جيداً، فإنه سيفرض علينا دستور غير جيد مرات أخرى، وأنا لا أعتقد بأن دستوراً جيّداً يقدم من خلال المنحة، لأنه إذا كان جيداً والنوايا حسنة، فإنه لا حاجة إلى تقديمه عن طريق المنحة، لأن الطريق التعاقدي مفتوح إليه!!!

أما على مستوى الواقع فهو مثل ما عندنا في البحرين، كان لدينا برلمان فيه 75% تقريباً من أعضائه منتخبين، %25  من أعضائه معيّنين، وبدلاً من ذلك فرض علينا برلمان 50% من أعضائه منتخبين، و50% من أعضائه معيّنين، والرئاسة فيه إلى المعيّن، وهو الذي يمتلك الصوت الترجيحي، مما يعني بأن قرار الفصل في يد السلطة التنفيذية، وبالتالي فإن السلطة التنفيذية ترتهن إرادة الشعب من خلال هذا المجلس. وقد وصفت في أحاديث سابقة هذا المجلس بأنه يصلح أن يكون أداة لافتضاض ضمير الآمة، وذلك لأنه يسمح بتمرير قوانين مخالفة إلى قيم الشعب ومصالحة وباسمه، وهذا الوصف أقرب إلى الحسّ الثقافي، أما الأقرب إلى الحسّ السياسي فهو الوصف لهذا المجلس بأنه يصلح أن يكون محرقة للمعارضة، تحرقها الحكومة متى شاءت من خلال هذا المجلس، وقد حمت المعارضة نفسها والحمد لله رب العالمين بقرار المقاطعة وعدم الدخول إلى هذا المجلس المحرقة.

2) المبدأ الثاني: على الشعب والمعارضة أن يرفعوا شعار (المعارضة العقلائية الفاعلة)أما العقلائية فهي تعني الواقعية في تحديد الأهداف الطموحة التي تطور الواقع، وأن تتصف المعارضة بالشجاعة في العمل دون تهور أو خوف.

وأما الفاعلية فتعني أن تكون أساليب المعارضة ووسائل وأدوات عملها فاعلة أو متجهة إلى تحقيق الأهداف، وبدون ذلك تتحوّل المعارضة إلى حالة عبثية أو وضع عبثي يكون مضيعة للوقت والجهد والمال، فإذا التزمت المعارضة والشعوب بذلك، فإنها سوف تمنع تراجع الوضع العربي وتعالج الوضع الذي نعيشه والذي كشفته نتائج العدوان الأمريكي الصهيوني على العراق الجريح واحتلاله، ثم انعقاد قمتي شرم الشيخ والعقبة بما تمثلانه من انصياع للإرادة الأمريكية الصهيونية ومشروعهما الاستعماري الخطير في المنطقة، والتي تتحمل الشعوب والمعارضة قسطاً من المسؤولية عن ذلك، لأنها لم تتم بصلابة وشجاعة أمام الخطوات التراجعية للأنظمة، وكانت تبرر قبولها للمشاريع والخطوات التراجعية بمبررات، والنتيجة هي هذه الأوضاع الكارثية التي أفقدتها كل شيء ووضعتنا في مهب الرياح؛، بلا هوية وبلا مكانة على الساحة العالمية، نخاف أن تتخطفنا الطير، بعد أن نهشتنا السباع ونحن بلا حول ولا قوة. والمطلوب منا جميعاً أن نستردّ هويتنا ومكانتنا ودورنا على الساحة العالمية وخدمة البشرية والإنسانية، وأن نفعل ذلك باقتدار من خلال رؤية علمية وعملية وبإرادة إيمانية فولاذية لا تقهر.

اكتفي بهذا المقدار، واستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

احدث الاخبار

الاكثر قراءة