الإمام الخميني وترابط الفكر والفقه
التاريخ: 29-06-2011
الإمام الخميني وترابط الفكر والفقه بسم الله الرحمن الرحيم لقد نظر الإمام الخميني (قدس سره) للإسلام العظيم بصفته وحدة نظرية وعملية واحدة
الإمام الخميني وترابط الفكر والفقه
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد نظر الإمام الخميني (قدس سره) للإسلام العظيم بصفته وحدة نظرية وعملية واحدة. فرغم تعدد أبعاد الإسلام وجوانبه، إلا أن التوحيد يمثل جوهر الإسلام وغايته وروحه السارية في أبعاده المختلفة. ولذلك فإن العقيدة والمفاهيم والأخلاق والفقه تمثل تجليات مختلفة لحقيقة التوحيد الواحدة، كما تهدف جميعا لتحقيق المشروع التوحيدي.
والملاحظة الجديرة بالاهتمام هي أن الإمام الخميني كان يركز جهده العلمي للربط بين أبعاد الإسلام وعلومه المختلفة تحقيقا لمبدأ وحدة الجوهر والهدف الجامع لهذه الأبعاد والعلوم. وقد مثلت هذه الرؤية التوحيدية صفة مشتركة لعدد من رموز الفكر الإسلامي يأتي في مقدمتهم، الإمام الخميني، والشهيد الصدر، والسيد الطباطبائي، والشيخ المطهري، وغيرهم. وفي سياق الوفاء لهذا الترابط يمكن الإشارة للظواهر التالية:
1- يتميز هؤلاء المفكرون، باستيعابهم الشامل لمجمل العلوم الإسلامية، المرتبطة بالأبعاد التوحيدية، واشتغالهم على المستوى البحثي بدراسة هذه الأبعاد. وكمثال على ذلك، فقد رأينا الإمام الخميني، يهتم بالعلوم الإسلامية المختلفة، من تفسير وعقائد وفلسفة وعرفان وأخلاق وفقه وأصول. كما أن مؤلفات السيد
الإمام المتنوعة تعكس هذا الاهتمام المستوعب، وهكذا هو الأمر بالنسبة للشهيد الصدر، نلاحظ اهتمامه بمجمل العلوم الإسلامية، وكتابته في أهم العلوم والأبعاد التي تمثل الوجوه المختلفة للحقيقة التوحيدية.
وأعتقد أن توجه هؤلاء المفكرون لملامسة هذه العلوم المختلفة، هو لقناعتهم الأكيدة، بضرورة التعرف على الحقيقة التوحيدية بجميع أبعادها، تمهيداً لتجسيدها الموضوعي الشامل والمتناسق.
2- يتميز هؤلاء المفكرون، بالتزامهم العلمي بربط العلوم والأبعاد التوحيدية ببعضها البعض، فالإمام الخميني مثلاً وفي كتابه (الآداب المعنوية للصلاة)، وفي سياق بحثه حول حقيقة الصلاة، يبحث حول مجمل العلوم والأبعاد الإسلامية، ويربط بينها بصورة متناسقة. ومن هنا نجد حضور مجمل الأفكار الإسلامية في بحوث الكتاب، من عقائدية وفكرية وعرفانية وأخلاقية وفقهية. وكذلك هو الشهيد الصدر في كتابه (الإسلام يقود الحياة), حيث تجد ذلك الترابط الجلي والواضح والتأثير المتبادل بين الأبعاد الإسلامية المختلفة، حيث تبدأ الرؤية بالمبدأ العقائدي، وتمر بالبعد الفكري والروحي، لتنتهي بالبعد العملي والموضوعي. ونفس هذا الترابط تجده عند السيد الطباطبائي، والشيخ المطهري.
3- اهتم رموز الفكر الولائي كثيراً بالبحث الفكري والمفاهيمي، وهو البحث الذي يهتم بدراسة الأهداف والمبادئ الإسلامية الملازمة لها. فالبحث الفكري هو بحث مهم جداً لأنه يشكل الحلقة الوسيطة بين البعد العقائدي، والبعد الأخلاقي والفقهي. ومن الملاحظ أنه ورغم الأهمية الكبرى للبحث الفكري، إلا أنه لم يفرد كغيره من الأبعاد الأخرى في علم خاص، كما لم يلق الاهتمام اللائق به. فالبحث الفكري، يتناول بالدراسة الأهداف والقيم المنبثقة من البعد العقائدي، وكيفية ارتباطها بالبعد الأخلاقي والفقهي. والبحث الفكري يمثل الممون القيمي والمبدئي، للبحث الفقهي بالأهداف والمبادئ الذي يبتني عليها. ونظرا لتواضع البحث الفكري، وبما أنه يمثل الوسيط والرابط بين البعد العقائدي والبعدين الأخلاقي والفقهي، فقد حصل نوع من الانفصال بين الرؤية العقائدية، والرؤية الفقهية.
4- اهتم رموز الفكر الولائي بصورة خاصة، بالربط الوثيق بين البحث الفكري والبحث الفقهي. فالبحث الفكري حيث يتناول الأهداف والقيم العامة، يمثل القاعدة والموجه للبرنامج الفقهي العملي التفصيلي الذي يجسد تلك الأهداف والقيم العامة. وقد تميز الإمام الخميني، والإمام الصدر بصورة خاصة، بالربط الوثيق بين بحث الأهداف والقيم، وبحث الفقه العملي، سواء في ذلك الفقه العبادي أو الفقه الاجتماعي. وهو ما جعل الفقه الإسلامي في فكر مدرسة الولاية، ليس مجرد أحكام تجزيئية، تحكمها قواعد أصول الفقه، وإنما هو منظومة فكرية متكاملة ومترابطة وهادفة، يحكمها إطار غائي وقيمي عام. فالفقه الإسلامي عند هذه المدرسة، ليس مجرد مجموعة من الإعتباريات المحضة، وإنما يقوم على مجموعة من الحقائق الواقعية التوحيدية، يمثل هذا الفقه وسيلة لتحقيقها والوصول لها.
5- تميز الإمام الخميني بصورة خاصة، بالتأثير الواضح للبعد العقائدي والفكري، على بحثه الفقهي لاسيما الاجتماعي. ولكن الشهيد الصدر تميز بالاهتمام النظري والمنهجي بالبعد العقائدي والفكري. فالسيد الإمام لم يركز اهتمامه على البحوث الفكرية المستقلة، ولكنه كان مميزا في الربط العملي في مفاصل مهمة بين القيم والمبادئ الإسلامية العامة، والبحث الفقهي، بينما تميز الشهيد الصدر بالبحوث الفكرية المستقلة.
* ترابط الأبعاد التوحيدية:
والآن نبدأ بعرض بعض النماذج العملية على وفاء هذه المدرسة الفكرية بعملية الربط القيمي بين الأبعاد التوحيدية المختلفة، وتجسيد هذا الترابط التوحيدي على مستوى ربط البحث الفقهي بالبحوث الفكرية والأخلاقية الأخرى. سوف نذكر بعض النماذج من بحوث الإمام الخميني.
* الإمام الخميني.. ترابط الفكر والفقه:
هناك العديد من الأمثلة المهمة على اهتمام الإمام الخميني بالربط بين الرؤية العقائدية والفكرية من جهة، والرؤية الفقهية العملية من جهة أخرى. ولكن وبما يناسب المقام سوف نشير لعدد من النماذج التطبيقية.
(1) النموذج الأول: وهو يرتبط بالعبادات أيضا ومنهجية تعامل الإمام الخميني مع هذا الباب الفقهي الحساس.
فمن المسلم به، أن هناك فرقاً واضحاً بين حالة صحة الصلاة، وحالة قبول الصلاة. فصحة الصلاة ترتبط ببراءتها للذمة وإسقاطها للقضاء، أما قبول الصلاة فيرتبط بتحقيقها لأهدافها الدنيوية والأخروية.
ومن الملاحظ أن الإمام الخميني وهو يحمل صفة الفقيه، كما يحمل صفة المفكر والأخلاقي، قد اعتنى بجميع الأبعاد المرتبطة بالعبادات، وكان مشغولاً بصورة كبيرة، ليس بمجرد تقديم الصورة الفقهية للعبادات، وإنما كان مشغولاً بإحياء غايات العبادات، وتجسيد أهدافها الشاملة، وهو ما يتطابق مع مشروع الصلاة الذي قدمه القرآن الكريم، حيث قدم القرآن تصوراً شاملاً حول الصلاة، يستوعب البعد الفكري والقيمي للصلاة، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ?. فالصلاة تمثل التجسيد الأهم لأهداف الخلقة الإنسانية. كما يستوعب البعد المعنوي للصلاة، حيث يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. كما يستوعب البعد العملي الفقهي للصلاة. وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾.
وتحدث القرآن الكريم كذلك عن علاقة الصلاة بالتكاليف الأخرى، فالصلاة لها علاقة سلبية مع المنكرات، وذلك في قوله تعالى: ﴿... إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ...﴾. وكذلك للصلاة علاقة ايجابية بالتكاليف الأخرى، حيث تساعد على امتثالها. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
فالإمام الخميني في كتبه القيّمة (سرّ الصلاة) و (الآداب المعنوية للصلاة)، حاول أن يشبع جميع الجوانب المرتبطة بنفس الصلاة والتي أضاءها القرآن الكريم، فبحث البعد العقائدي، والفكري الغائي، والأخلاقي العرفاني، كما بحث البعد الفقهي في كتبه الأخرى بصفته فقيها، بالإضافة لذلك ركز على البعد الاجتماعي
والسياسي للعبادات، لاسيما صلاة الجمعة والحج، كل ذلك لأن الإمام الخميني، كان ينظر للعبادات بصفتها شعيرة شاملة في المشروع التوحيدي الشامل، وكان يعتبر القرآن الكريم هو المرجعية الشاملة والأصيلة، لهذه الشعائر بجميع أبعادها. وكان الإمام يرى نفسه معنياً ومسؤولاً عن إحياء جميع الأبعاد والأهداف العبادية القرآنية. يقول الإمام الخميني حول شعيرة صلاة الجمعة في وصيته السياسية: "ومن جملة ذلك أن لا يغفلوا أبداً عن صلاة الجمعة والجماعة، التي هي مظهر البعد السياسي للصلاة". (ص18-19).
(2) النموذج الثاني: أهل البيت (عليهم السلام) والحكومة الإسلامية:
يتفاوت الباحثون بصورة ملحوظة في طبيعة رؤيتهم للمشروع السياسي لأهل البيت (عليهم السلام), فمن الباحثين من يرى انسحاب أهل البيت (عليهم السلام) عن الشأن السياسي لصالح الشأن التبليغي والتربوي. أما الإمام الخميني فإن سعي أهل البيت (عليهم السلام) لإقامة العدالة الاجتماعية والحكومة الإسلامية تمثل قضية محسومة وبديهية بالنسبة له. فبحسب الرؤية العقائدية والفكرية القرآنية فإن جميع الأنبياء والرسل (عليهم السلام) إنما هدفوا لتجسيد التوحيد والحاكمية الإلهية وتطبيق العدالة الاجتماعية، وكانوا قادة للفكر وقادة كذلك للسياسة والحكم، فكيف يمكن لأهل البيت (عليهم السلام) أن يتخلّفوا عن الركب الرسالي والنبوي العام الذي هدفوا أساساً لتجسيده ووراثته.
(3) النموذج الثالث: وهذا النموذج من فقه المكاسب المحرمة. حيث يقسم الفقهاء البيع لحالات ثلاث هي:
* الحالة الأولى: وهي عند اشتراط صرف المبيع في الحرام في صلب العقد، والمعروف حرمة هكذا بيع بسبب الشرط المحرم.
* الحالة الثانية: وهي في حالة عدم الاشتراط وإمكانية صرف المبيع في الحرام وإمكانية صرفه في المباح، مثل الخشب والعنب وغيره.
* الحالة الثالثة: وهي بيع المبيع من دون اشتراط الحرام ولكن نعلم أنه يصرفه في الحرام، وهو ما وقع محلا للبحث في حرمته وإباحته.
والملفت للنظر أن هناك العديد من الروايات الظاهرة والصحيحة في جواز هكذا بيع، كصحيحة رفاعة بن موسى قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره قال: ألسنا نبيع خمرنا ممن يجعله شراباً خبيثاً, ورواية أبي كهمس وفيها: ثم قال: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمراً، وصحيحة الحلبي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع عصير العنب ممن يجعله حراما، قال: "لا بأس به تبيعه حلالاً فيجعله حراماً فأبعده الله وأسحقه". (المكاسب المحرمة، الإمام الخميني، ص145-146).
والمهم لدينا في هذا المثال كيفية تعامل الإمام الخميني، مع هذه الروايات والنتيجة التي يصل لها في حكم هذه المسألة نتيجة للاستفادة من البعد العقائدي والفكري. يرى الإمام الخميني أن الصحيح هو حرمة بيع المبيع ممن يعلم أنه يصرفه في الحرام، ويرى عدم إمكانية القبول بالروايات المجوزة لهذا البيع. ويستند في ذلك للقرآن الكريم والسنة المستفيضة، والمبادئ العقائدية والفكرية.
ويشرح الإمام الخميني موقف القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من هذه القضية بقوله: "وهو كذلك فانها مخالفة للكتاب أي آية النهي عن التعاون على الإثم والسنة المستفيضة وهي الحاكية للعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر وغارسها (الخ) بالتقريب المتقدم". (المكاسب المحرمة، 146).
ثم يقدم الإمام الخميني افتراضاً ويجيب عنه، وهو هل يمكن تقييد الآية القرآنية والسنة النبوية، فنستثني من حرمة الإعانة على الإثم والمنكر، بيع العنب والتمر مثلا ممن يصنعه خمرا أم لا؟؟ وهنا يوضح الإمام الخميني أن مثل هذا التقييد والتخصيص غير ممكن من ناحية عقلية وفكرية، حيث يرى الإمام الخميني أن وجوب النهي عن المنكر، وحرمة الإعانة على الإثم، ليست مجرد تكاليف تعبدية حتى تقبل الاستثناء والتقييد، بل هي تكاليف عقلية وفكرية.
وبتعبير آخر إن الإمام الخميني يرى أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وحرمة الإعانة على الإثم، مرتبطة بالهدف الإلهي من إيجاد المجتمع الإنساني، حيث تهدف الرسالة الإلهية لملئ الأجواء الاجتماعية بالخير والمعروف، وتنقيتها من الآثام والمنكرات. ولأجل ذلك فإن كل عمل يؤدي لتحقق المنكر في المجتمع، وتلوث الحياة البشرية بالمعاصي المبغوضة عند الله سبحانه فهو محرم عقلاً وفكراً باعتبار الهدف الإلهي من خلق المجتمع البشري.
ولذلك فالإمام الخميني يعتبر وجوب النهي عن المنكر، وحرمة الإعانة على الإثم قيمة عقلية خلقية لا تقبل
التجميد والاستثناء. وقد عبر عن ذلك بقوله: "ولا يصح القول بتقييد الآية والسنة لإباء العقول عن ذلك. (وتوهم) أن الإعانة على الاشتراء الحرام وهو ليس من المحرمات المهتم بها (مدفوع) بأن المفهوم من الآية ولو بمؤونة حكم العقل أن مطلق تهيئة أسباب الإثم منهي عنه، والبيع ممن يعلم أنه يبتاع للتخمير من مقدمات التخمير بل الشرب المهتم به". (146، المكاسب المحرمة).
وكذلك تحدث حول الإعانة على الإثم بقوله: "حكم العقل بقبح إعانة الغير على معصية المولى وإتيان مبغوضه، فكما أن إتيان المنكر قبيح عقلاً، وكذا الأمر به والإغراء نحوه قبيح كذلك تهيئة أسبابه والإعانة على فاعله قبيح عقلا موجب لاستحقاق العقوبة". (129، المكاسب المحرمة).
وبهذه الرؤية التي التزم بها السيد الإمام، فقد اعتبر أن كل عملية تهيئة لمقدمات المعصية، هي قبيحة عقلا ومحرمة، حتى لو لم تشملها الأدلة الشرعية، لأن الأدلة الشرعية مرشدة لنفس القبح العقلي. حيث يقول في ذلك: "ثم إن حكم العقل بالقبح في تلك الموارد ثابت ولو لم يصدق علي بعضها عنوان الإعانة على الإثم والتعاون ونحوها، فان العقل يدرك قبح تهيئة مقدمات المعصية والجرم، صدق عليها تلك العناوين أم لا، ولعل ما ورد في الكتاب والأخبار من النهي عن التعاون على الإثم والعدوان، أو معونة الظالمين، أو لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخمر غارسها وحارسها وبايعها ومشتريها وحاملها وساقيها، وكذا ما وردت من حرمة بيع المغنيات وإجارة المساكن لبيع بعض المحرمات كلها: لذلك أو نكتته. ثم إنه بعد إدراك العقل قبح ذلك، أي الإعانة على الإثم وتهيئة أسباب المنكر والمعصية: لا يمكن تخصيص حكمه وتجويز الإعانة عليها في مورد". (130-131، المكاسب المحرمة، الجزء الأول).
ثم يلخص الإمام الخميني، رؤيته للروايات المجوزة لبيع المبيع ممن يعلم بصرفه في الحرام، فيشير لعدة أسباب تمنع من الأخذ بهذه الروايات وهي:
1. مخالفة للقرآن الكريم.
2. مخالفة للسنة المستفيضة.
3.مخالفة لحكم العقل والفكر.
4. مخالفة لأدلة النهي عن المنكر.
5. مخالفة لقداسة الإمام وعصمته.
حيث يقول في ذلك: "فتلك الروايات بما أنها مخالفة للكتاب والسنة المستفيضة، وبما أنها مخالفة لحكم العقل كما تقدم وبما أنها مخالفة لروايات النهي عن المنكر بل بما أنها مخالفة لأصول المذهب ومخالفة لقداسة ساحة المعصوم (عليه السلام) حيث إن الظاهر منها، أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يبيعون تمرهم ممن يجعله خمرا وشرابا خبيثا ولم يبيعوه من غيره، وهو ما لا يرضى به الشيعة الإمامية كيف ولو صدر هذا العمل من أواسط الناس كان يعاب عليه، فالمسلم بما هو مسلم والشيعي بما هو كذلك، يرى هذا العمل قبيحا مخالفا لرضى الشارع فكيف يمكن صدوره من المعصوم (عليه السلام). (ص147، الجزء الأول، المكاسب المحرمة).
(4) النموذج الرابع: وكذلك وقع البحث الفقهي حول أن دفع المنكر قبل وقوعه هل هو واجب مثل وجوب رفع المنكر بعد حصوله؟ أم أن الوجوب يختص بحالة رفع المنكر بعد وجوده فقط؟
ربط الإمام الخميني هذه المسألة، بقضية هل أن وجوب النهي عن المنكر شرعي أم عقلي؟ فالوجوب الشرعي يعتمد على مدى دلالة الألفاظ أما الوجوب العقلي فهو يقتضي وجوب المبادرة لمنع كل ما يبغضه المولى، وهو حكم لا يقبل التخصيص، ثم يقرر الإمام الخميني أن وجوب النهي عن المنكر عقلي، ويشمل حالة دفع المنكر ورفعه. وهو يقول في ذلك: "فنقول أن دفع المنكر كرفعه واجب بناء على أن وجوب النهي عن المنكر عقلي، كما صرح به شيخنا الأعظم وحكى عن شيخ الطائفة وبعض كتب العلامة وعن الشهيدين والفاضل المقداد انه عقلي، وعن جمهور المتكلمين منهم المحقق الطوسي عدم وجوبه عقلا بل يجب شرعا، والحق هو الأول لاستقلال العقل بوجوب منع تحقق معصية المولى ومبغوضه، وقبح التواني". (136، الجزء الأول، المكاسب المحرمة).
فقد ظهر بصورة واضحة أن المنهج العلمي عند الإمام الخميني يقوم على ربط البحث الفقهي، بالأبعاد والبحوث السابقة عليه، حيث أن الموقف الفقهي العملي، يمثل النتيجة للبعد العقائدي والبعد الفكري العقلي.
ولذلك وجدنا الإمام الخميني لا يقبل الروايات المذكورة، لمنافاتها لعقيدة قدسية وعصمة الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ولمنافاتها للقيمة الفكرية الخلقية المحرمة للتهاون أمام تحقق أية معصية مبغوضة للمولى سبحانه، رغم عدم شمول بعض الحالات للأدلة الشرعية.
(5) النموذج الخامس: الروايات وولاية الفقيه:
عند دراسة الفقهاء لنصوص ولاية الفقيه يتفاوتون في طبيعة النتائج المستفادة من هذه الروايات. فمن الفقهاء من لا يستفيد منها أكثر من ولاية الإفتاء وبيان التشريع، بينما يصر الإمام الخميني على استفادة الولاية العامة من هذه النصوص. وعند التأمل في كلمات الإمام الخميني في هذا المجال نجد أن القاعدة التي يبني عليها فهمه الخاص لولاية الفقيه، تتمثل برؤيته العقائدية والفكرية والتي مفادها أن الرسالات السماوية إنما هدفت بجانب مهمة التعليم والتربية لإقامة الحكومة الإلهية وتأسيس العدالة الاجتماعية.
وبناءً على ذلك فإن الأطروحة الإسلامية والمجتمع الإسلامي لا يحتاج فقط لمفتي ومعلم للأحكام، بل يحتاج لقائد يدير شؤون المجتمع والدولة. ولذلك فقد أفتى الإمام الخميني بوجوب تأسيس الدولة الإسلامية على الفقهاء العدول بصفتهم خلفاء للرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله).
(6) النموذج السادس: ولاية الفقيه والإطار الموضوعي المؤسسي:
من الأمور الواضحة تأكيد الإمام الخميني الكبير على تأصيل مبدأ ولاية الفقيه نظريا وعمليا، وحرصه الشديد على إقامة الأدلة الفقهية المحكمة، لإثبات الولاية المطلقة للفقيه العادل المقتدر، ولكن السؤال المهم هو كيف طبق الإمام الخميني ولاية الفقيه؟ هل اكتفى الإمام الخميني بتطبيق الروايات والأدلة الفقهية الدالة مباشرة فقط على ولاية الفقيه؟
يمكن القول بأن ظاهر الأدلة المثبتة لولاية الفقيه، هو تفرد الفقيه الفرد الكامل بشؤون الحكم والإدارة، ولكن كيف تعامل الإمام الخميني مع هذه الأدلة من هذه الجهة؟؟
لم يتعامل الإمام الخميني مع النصوص الفقهية لولاية الفقيه، بصورة منفصلة عن القيم القرآنية العامة الحاكمة على مجمل الفكر الإسلامي. فهناك قيم قرآنية عامة لا تقبل التضييق بمجال دون آخر، تحكم مجمل المشروع الإسلامي بما فيه مجال الحكم، والإمام الخميني وعند قراءته لروايات ولاية الفقيه، لم ينس أن يحكم هذه القيم القرآنية العامة عند صياغته للإطار العملي لتطبيق ولاية الفقيه ونظام الدولة الإسلامية.
يقول الإمام الخميني في مقام نفيه لصفة الاستبداد عن ولاية الفقيه: "لا تخافوا من ولاية الفقيه، فالفقيه لا يريد ظلم الناس. وإن مثل هذا الفقيه الذي يريد أن يظلم الناس لا ولاية له. إنه الإسلام، والحكم للقانون في الإسلام. وكان النبي (صلى الله عليه وآله) أيضا تابعا للقانون الإلهي، وغير قادر على التخلف. فقد خاطبه الباري (جل وعلا) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾. الحاقة: 44-46.
فلو كان النبي دكتاتورا، وشخصا يخشى منه ممارسة الدكتاتورية من خلال جميع تلك القدرات التي حصلت له، لو كان هو (صلى الله عليه وآله) شخصا دكتاتوريا لأمكن حينئذ للفقيه أن يكون دكتاتورا، لو كان أمير المؤمنين (عليه السلام (دكتاتورا لأمكن للفقيه أن يكون دكتاتورا. فلا دكتاتورية في الأمر. نريد الوقوف بوجه الدكتاتور. وإن ولاية الفقيه هي تلك الولاية على الأمور التي تمنع الأمور من الخروج عن مجاريها الطبيعية، فتشرف على المجلس، وتشرف على رئيس الوزراء حتى لا يرتكب الخطأ، وتشرف على جميع الأجهزة، والجيش حتى لا يرتكب عملا خاطئا. فنحن نريد الوقوف بوجه الدكتاتورية، لا نريد أن تكون دكتاتورية، نريد معارضة الدكتاتورية.
وإن ولاية الفقيه هي ضد الدكتاتورية، وليست دكتاتورية. الفقيه لا يكون مستبدا، فالفقيه الذي يملك هذه الأوصاف يكون عادلا، وعدالته هي غير العدالة الاجتماعية (المصطلح عليها) بل هي عدالة بحيث أن كلمة كذب واحدة تسقطه عن العدالة. فمثل هذا الإنسان لا يرتكب خلافا، إنه لا يرتكب المخالفة". (منهجية الثورة الإسلامية، ص166-167).
ويقول أيضا: "هذه حكومة يكون الجميع فيها سواسية أمام القانون، لأن قانون الإسلام هو قانون الهي، والكل حاضرون أمام الله تبارك وتعالى سواء الحاكم أو المحكوم أو النبي أو الإمام أو عامة الناس". (ص165).
ويقول حول قبول الناس وانتخابهم للولي الفقيه: "وكنت معتقدا ومصرا منذ البداية بأن شرط المرجعية ليس لازما. ويكفي المجتهد العادل الذي ينال تأييد الخبراء المحترمون في البلاد. فعندما ينتخب الناس الخبراء ليعينوا مجتهدا عادلا لقيادة حكومتهم، وعندما يعين هؤلاء الخبراء شخصا لاستلام القيادة، فسوف ينال قبول الناس قهرا، وسيكون في هذه الحالة الولي المنتخب للناس، ويكون حكمه نافذ". (ص164، منهجية الثورة).
إن هذا الاستلهام القرآني البديع يكشف مستوى تشرب الإمام الخميني بالجوهر القرآني، الذي يختفي خلف سطح الآيات القرآنية. علما بأن الفكر الموضوعي يمثل قيمة قرآنية كبرى حاكمة على مجمل المشروع الإسلامي.
(7) النموذج السابع: التقية والفكر القرآني:
تحدث الإمام الخميني حول بعض الروايات التي تشبث بها بعض المعارضين لثورته ضد الشاه، حيث كانت هذه الروايات تحث على طاعة السلاطين والملوك، وتحضر معارضتهم ومواجهتهم، من باب التقية والخوف على النفس، وهنا نجد الإمام الخميني، دون كثير عناء وتطويل، وبصورة بسيطة يرفض هذه الروايات لمنافاتها للفكر القرآني لاسيما مواجهة نبي الله موسى (عليه السلام) لملك عصره فرعون.
يقول الإمام الخميني بهذا الصدد: "ومثل هذا - كما ترون – واقع الآن. وما أدري لماذا يتمسك بعض الناس بروايتين ضعيفتين في مقابل القرآن الذي أمر الله فيه موسى بالنهوض في وجه فرعون، وهو أحد الملوك، وفي مقابل كل ما ورد من الأحاديث الكثيرة الآمرة الظالمين ومقاومتهم. فالكسالى من الناس هم الذين يطرحون كل ذلك جانبا ليتمسكوا بروايتين ضعيفتين تزكي الملوك وتبرر التعاون معهم، ولو كان هؤلاء متدينين لرووا إلى جانب تينك الروايتين الضعيفتين مجموعة الروايات المناهضة للظلمة وأعوانهم. مثل هؤلاء الرواة لا عدالة لهم، لما بدر منهم من انحياز إلى أعداء الله، وابتعادهم عن تعاليم القرآن والسنة الصحيحة، بطنتهم دعتهم إلى ذلك لا العلم، وفي البطنة وفي حب الجاه ما يدعوا إلى السير في ركاب الجائرين". (ص87-88، الحكومة الإسلامية).
وهاتين الروايتين هما: عن النبي (صلى الله عليه وآله), قال: "السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم، فمن عدل كان له الأجر، وعلى الرعية الشكر. ومن جار كان عليه الوزر، وعلى الرعية الصبر، يأتيهم الأمر". (بحار الأنوار، ج72، ص354). وعن أنس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "طاعة السلطان واجبة. ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله عزّ وجلّ، ودخل نهيه. إن الله عزّ وجلّ يقول ﴿... وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ...﴾". (بحار الأنوار، ج72، ص368).
(8) النموذج الثامن: الشعائر الحسينية.. وقيم الثورة:
عند قراءة النصوص المرتبطة بالشعائر الحسينية، من زيارة وعزاء وبكاء وغيرها، فإن من الواضح هو تركيز هذه النصوص على البعد العاطفي للشعائر الحسينية، ولذلك نجدها تركز على التفاعل القلبي والبكاء وإجراء الدموع، والجزع وغيرها من المفاهيم والفعاليات ذات المضمون العاطفي الواضح. وهنا يأتي الدور لنوعين من القراءة لهذه النصوص. فالقراءة الأولى تتعامل مع هذه النصوص بصفتها نصوصا فقهية تشير لحكم شرعي مستقل وهو حكم الاستحباب الشرعي، وتقصر نظرها على المضمون الظاهري، والذي يتمحور حول البعد العاطفي، ويشير لمحبوبية تعميقه لأعلى مستويات الحزن والجزع، وهو ما لعله يفهم بصفته دعوة واضحة للتركيز على الإحياء العاطفي بصورة مجردة، والمبالغة في المضمون العاطفي دون حساب للأمور الأخرى.
وهنا تأتي أهمية التعاطي الشمولي مع نصوص الشعائر، فإن هذه النصوص تمثل جزءا من نصوص الثورة الحسينية العامة، والشعائر الحسينية تمثل جزءا من الثورة الحسينية الكبرى.
ولذلك نجد الإمام الخميني يجمع في رؤيته للشعائر الحسينية، بين التعبد بظاهر هذه النصوص، فيركز كثيرا على المضمون العاطفي والولائي للشعائر الحسينية، ودورها الكبير في الحفاظ على الوهج المعنوي، للثورة الحسينية. ولكن الإمام الخميني في نفس الوقت يحاول فهم هذه النصوص في إطار فهمه الشامل للمشروع الإسلامي العام، والمشروع الحسيني الخاص، فيسعى كذلك لتحكيم المبادئ الإسلامية العامة، والقيم والأهداف الحسينية الخاصة على هذه النصوص، فيعتبر أن الشعائر الحسينية تمثل صيغا اجتماعية وعاطفية، لإحياء الأهداف والقيم الثورية والنهضوية القرآنية الحسينية. فكان الإمام الخميني، يتعامل مع الشعائر الحسينية انطلاقا من الأهداف والقيم المؤسسة لها، كما اعتبر نفسه معنيا بتأصيل هذه الأهداف وتأصيلها نظريا وعمليا. فكان الإمام الخميني يرفض إفراغ الشعائر من مضمونها الولائي التقليدي، كما كان يرفض كذلك إفراغها من مضمونها الثوري والنهضوي الإسلامي.
يقول الإمام الخميني في وصيته السياسية، حول الشعائر الحسينية: "ومن جملة ذلك أن لا يغفلوا أبدا عن مراسم عزاء الأئمة الأطهار، وخصوصا عزاء سيد المظلومين ورائد الشهداء أبي عبد الله الحسين صلوات الله الوافرة وصلوات أنبياء الله وملائكته والصالحين على روحه العظيمة المقدامة، وليعلموا أن كل أوامر الأئمة (عليهم السلام) في إحياء ملحمة الإسلام التاريخية هذه، وأن كل اللعن لظالمي آل البيت والتنديد بهم ليس إلا صرخة الشعوب في وجه الحكام الظالمين عبر التاريخ وإلى الأبد... وتعلمون أن بني أمية (لعنة الله عليهم) ورفع الصوت باستنكار ظلمهم – مع أنهم انقرضوا، وولّوا إلى جهنم – هو صرخة ضد الظالمين في العالم، وإبقاء لهذه الصرخة المحطمة للظلم نابضة بالحياة. ومن اللازم أن تتضمن اللطميات وأشعار الرثاء وأشعار المديح لأئمة الحق عليهم سلام الله التذكير – وبطريقة ساحقة – بالفجائع ومظالم الظالمين في كل عصر ومصر، وفي هذا العصر عصر مظلومية العالم الإسلامي على يد أمريكا وروسيا وسائر المرتبطين بهم". (ص20).
والنتيجة المهمة التي يمكن استخلاصها من مجمل الوقفات السابقة، هي أن ما يميز الإمام الخميني (قدس سره) ومجمل التيار الفكري الذي ينتمي له، هو حرصه البالغ على تقديم الفقه الإسلامي لاسيما في جانبه الاجتماعي والسياسي، بما يتناغم والعقيدة والأهداف والقيم الأخلاقية الإسلامية، وهو ما يكفل تقديم الفكر الإسلامي في صورته المتناسقة والمشرقة، كما يكفل تحقيق الأهداف والقيم الأصيلة للرسالات الإلهية في حياة البشرية، دون الفهم القشري للإسلام الذي يحوله لمفردات متنافرة تبعده عن الأهداف الأصيلة السامية التي نطق بها القرآن الكريم.
احدث الاخبار
العميد موسوي: أي تهديد لإيران هو بمثابة "عمل حربي"
إصابة مقاتلة اف 18 أميركية بنيران الدفاعات الجوية الإيرانية في تشابهار
القيادة: تنوّع أدوار ووحدة مسار
ولاية الفقيه من ولاية اللّه (1)
برقية تعزية يبعثها بوتين للقائد السيد مجتبى الخامنئي باستشهاد لاريجاني
قائد الثورة الإسلامية يعزي باستشهاد علي لاريجاني ومرافقيه
استشهاد وزير الأمن الإيراني السيد إسماعيل خطيب
قائد الجيش: الرد على اغتيال الشهيد لاريجاني سيكون صارما وباعثا على الندم
استشهاد الدكتور علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني واللواء غلام رضا سليماني
قائد الثورة الإسلامية يوعز باستمرار عمل المسؤولين المعينين من قبل القائد الشهيد
الاكثر قراءة
أربعون حديثاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام)
أحكام الصوم للسيد القائد الخامنئي
ما أنشده الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حق الإمام الخامنئي
أربعون حديثا عن الإمام الهادي (ع)
مختارات من كلمات الإمام الخامنئي حول عظمة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)
أربعون حديثاً عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
مبادئ الإمام الخميني العرفانية
شهيد المحراب (الثالث) آية الله الحاج السيد عبد الحسين دستغيب
ماذا يقول شهداء الدفاع عن العقيلة؟.. الشهيد السيد إبراهيم في وصيته: لقد ذهب زمان ذل الشيعة+ صور
تقرير مصور عن شهداء الحجاز الذين استشهدوا في جبهات الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية