Skip to main content

فكر الإمام الخميني

التاريخ: 07-06-2011

فكر الإمام الخميني

فكر الإمام الخميني بالرغم من أن شخصية الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه تركت بصمات لا تمحى على جبين الزمن، فهي ماثلة وبشكل حي في ذاكرة الشعوب، إلا أن أبعاد هذه الشخصية فرضت نفسها هذا العام على دنيا المسلمين بشكل أشد وقعاً وأوسع نطاقاً وأعمق إحساساً مقارنة بالأعوام الماضية

فكر الإمام الخميني

بالرغم من أن شخصية الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه تركت بصمات لا تمحى على جبين الزمن، فهي ماثلة وبشكل حي في ذاكرة الشعوب، إلا أن أبعاد هذه الشخصية فرضت نفسها هذا العام على دنيا المسلمين بشكل أشد وقعاً وأوسع نطاقاً وأعمق إحساساً مقارنة بالأعوام الماضية.

إن الإحساس بحضور شخصية الإمام الخميني (قدس) في هذه المرحلة الحساسة يعود إلى حضور خطابه السياسي والفكري والاجتماعي وبكثافة بسبب الجذر الذي ضرب ويضرب الخطاب الإسلامي الأصيل وتراجعه أمام خطابات التطرف والانحراف المحسوب على الإسلام واتساع نطاق هذه الخطابات التكفيرية والانغلاقية والانعزالية والإقصائية والطائفية والإنبطاحية وارتفاع حدة نبرتها يسبب عنفها وتطرفها وعدم وقوفها عند أي خطوط حمراء حتى لو كانت باهتة، متسترة بمسوح، يفضح أكثر مما يستر، الاعتدال والعداء لأميركا الذي وجدت فيها الأخيرة ضالتها بعد أن أوجدتها، فعممت حالة التشنج والحقد الأعمى والقصور في الرؤية إلى حد العمى وكذلك الانحلال والانحراف في الخطابات المشوهة، على كل المسلمين للنيل من رموزهم وصحوتهم وحصرهم بين لا متناهيين، الجهل والتعصب. يقفز الخطاب الخميني (قدس) دون استئذان إلى عقل وفكر الإنسان المسلم إذا ما استحضر حتى في عملية سريعة بعض المفردات التي تدور حولها الخطابات المتطرفة والتفسيرات الشوهاء والممسوخة التي تطرحها بشأن أهم القضايا التي تواجه المجتمعات الإسلامية مثل الديمقراطية والانتخابات والاستكبار والاستعمار والوحدة الإسلامية والطائفية والأقليات الدينية والقومية وحرمة المؤمن ودور العبادة والجهاد والاستشهاد. الخطاب المتطرف والتكفيري يرى في الديمقراطية آفة يجب استئصالها بشتى الطرق ولا حق للشعوب في إبداء رأيها فيما يخص أوضاعها فضلاً عن الحديث عن تقرير المصير، أما خطاب الانحلال رافع لواء (الاعتدال) الذي يمنح الشرعية للأنظمة التي تدعي الاعتدال فيرى في الديمقراطية باباً من أبواب جهنم ومكيدة من مكائد الشيطان يمنح الرعاع والمنحرفين الحق في الإعتداء على القيم والأخلاق السائدة في المجتمع . كما أن الانتخابات كفر وإلحاد وأنها عملية كفرية وأن كل مسلم يشارك فيها يعتبر خارجاً من الملة والدين يستحق الموت حتى لو بلغ من شارك فيها عشرات الملايين.

في المقابل يرى الخطاب الخميني (قدس) في الانتخابات على أنها امتحان إلهي وفيها يتم الفصل بين المنتصرين للضوابط والمنتصرين للجماعات وبالانتخابات يمكن تقويم الذات وأن البرلمان على رأس جميع المؤسسات. وأن الديمقراطية مندرجة في الإسلام والناس أحرار في الإسلام في بيان عقائدهم حتى أن الماركسيين أحرار في بيان عقائدهم في المجتمع، ويرى الخطاب الخميني (قدس) أيضاً أن من الحقوق الأولية لأي شعب أن يمتلك حق تقرير المصير وتعيين شكل الحكومة التي يريدها. أما فيما يخص الأقليات الدينية فلا يفرق الخطاب المتطرف والتكفيري بين اليهود والصهاينة وبين المسيحيين ودعاة الحرب من الصليبيين حيث يضع الجميع في سلة واحدة ويحكم عليهم بالكفر والقتل. وقد رأى العالم تطبيقات هذه الرؤية في العديد من مناطقه وخاصة في العالم الإسلامي والتي كلفت المسلمين والإسلام غالياً.

في المقابل يرى خطاب الإمام الخميني (قدس) أن جميع الأقليات الدينية في ظل الحكومة الإسلامية يمكنها القيام بجميع طقوسها الدينية وبحرية كاملة وأن الحكومة الإسلامية مكلفة بحماية حقوقهم على أفضل وجه، ويرى هذا الخطاب، لا فرق بين الشعوب المختلفة، وأن جميع حقوق الشعوب مكفولة في الإسلام، كما يعتبر هذا الخطاب، (أن جميع أفراد العالم بشراً متساوين في الإنسانية) وينظر إلى جميع الناس بمنظار المحبة كي (يصبح العالم بأجمعه روحانياً ويقترب من عالم القدس)، ويرى أيضاً (أن الإسلام جاء لإنقاذ البشرية من العلائق الجسمانية وإيصالها إلى الروحيات).

أما الحديث عن الوحدة الإسلامية والموقف من التقريب بين المذاهب الإسلامية، نرى فضائيات ومواقع انترنيت تتكاثر عرضياً وتحتكر الإسلام وتسبح بحمد الجماعات المتطرفة التي ترفع رايات الجهاد ولكن ضد المسلمين وتفتي بقتلهم واستباحة دمائهم وتحريض بعضهم على بعض وتعمل على إشعال الفتنة الطائفية في ديار المسلمين في تواطؤ واضح فاضح مع المستكبرين والصهاينة بعد أن قسموا خلق الله إلى فسطاطين فسطاط الإيمان وهو حكر لهم وفسطاط الكفر وهو للمسلمين جميعاً. أما توأم هذا الخطاب في النهش والحز بجسد الأمة، خطاب الانحلال والانبطاح، فهو يعلن وعلى رؤوس الأشهاد ودون مواربة أن الوحدة الإسلامية التي ينشدها تنتهي حتما بتجاهل جميع المسلمين إذا لم نقل بإقصائهم وفقاً للتفسير الجامد والمتخلف للإسلام.

في المقابل نذر الإمام الخميني (قدس)، وهو من كبار مراجع الدين على مر العصور، كل حياته المباركة من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية. فكان قدس سره يعتقد اعتقاداً جازماً بوحدة الأمة الإسلامية وبمصيرها المشترك دون الالتفات إلى المذاهب التي تنتمي إليها، وقد رافقت هذه الفكرة سماحته في كل لحظة من لحظات حياته. ويمكن تلمس ذلك وبوضوح في كل خطاباته ومؤلفاته ومواقفه دون استثناء وكذلك في نداءاته لضيوف الرحمن في كل عام ومن إعلانه آخر جمعة من شهر رمضان المبارك يوماً عالمياً للقدس. أما بشأن المرأة وحقوقها فإن من الخطأ الحديث عن موقف خطابي التطرف والانعزال من المرأة وحقوقها، فالمرأة لا وجود لها كإنسانة في إطار هذين الخطابين ليكون لها بالتالي حقوقاً يمكن الحديث عنها وأن الذي حدث للمرأة في بعض ديار المسلمين التي تمكن فيها هذان الخطابان من أن يجدا فيها موضع قدم هناك، يكفي ويغني عن الحديث في هذا الموضوع فهو خزي وعار من ألفه إلى يائه.

وعلى النقيض من ذلك تماماً يقف الخطاب الخميني (قدس) شامخاً يصدح بصوت الإسلام الذي كرم وبجل وعمل المرأة ودورها في الحياة، فهذا الخطاب يرى كما يرى الإسلام الأصيل أن (للمرأة في النظام الإسلامي الحقوق ذاتها التي للرجل بما في ذلك التعليم والدراسة وحق العمل وحق التملك وحق التصويت وحق الترشيح. فلا (يوجد فرق بين الرجل والمرأة من ناحية الحقوق الإنسانية وذلك لأن كليهما إنسان) وللمرأة الحق في تقرير مصيرها كالرجل تماماً و(المرأة كالرجل حرة في اختيار مصيرها ونوع نشاطها).

أما موقف خطاب التطرف إزاء مفاهيم الجهاد والاستشهاد فهو حديث يعتصر قلب كل مسلم ومؤمن وكل إنسان حتى لو تجرد من أي قيم سماوية، وهو يرى كيف أساء هذا الخطاب إلى مفاهيم الجهاد والاستشهاد وأنزلها من عليائها إلى درك الإرهاب والجريمة، وكيف نصب أصحاب هذا الخطاب أنفسهم أنصاف إله عندما أخذوا يشرعنون قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ويدخلون من يشاؤون الجنة ويرسلون آخرين إلى النار، وكيف تدنت مكانة وحرمة الإنسان المسلم وحرمة الجوامع والمساجد والحسينيات والكنائس ودور العبادة إلى مستويات لا حرمة لها ولا كرامة، بعد أن فجروها خربوها على رؤوس المؤمنين وهم يزفون منفذيها شهداء على طريق الإسلام.

في المقابل أعطى الخطاب الخميني (قدس) مفاهيم مقدسة كالجهاد والاستشهاد، فهما أعمق وزرعها في نفوس الشعب الإيراني المسلم وتجسدت عملياً في انتصار الثورة الإسلامية وفي مرحلة الدفاع المقدس وفي جميع مراحل مسيرة تطور وتقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعلى شتى الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية، فلا يجد الجهاد والاستشهاد لهما أي معنى إلا في سوح منازلة الاستكبار والاستعمار والصهيونية لتحرير الأرض والإنسان وبناء نهضة علمية ترفع المسلمين إلى المكانة التي تليق بهم بين الأمم.

أما بشأن الموقف من الاستكبار والاستعمار فإن كل ما فعله الخطاب المتطرف منذ أعلن عن وجوده، صب في مصلحة الاستكبار والصهيونية بالكامل وأضر وأساء للمسلمين إلى درجة لا توصف، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين والمراقبين لأداء المجموعات المتطرفة والتكفيرية يتحدث عن وجود تواطؤ واضح بين الجانبين لا يمكن أن يختفي وراء بعض الشعارات الرنانة الجوفاء، فيما يعتبر خطاب الانحلال والانبطاح مطية لتمرير مشاريع الاستكبار في المنطقة، فمن دون وجود هذا الخطاب ما أمكن تمرير هذه المشاريع بهذه السهولة، وذلك بفضل التعاون إلى درجة التحالف الإستراتيجي مع الغرب ومنح التسهيلات لمئات الآلاف من الجنود الأميركيين وحلف الناتو فوق أراضي المنطقة العربية الإسلامية لغزو أراضي العرب والمسلمين.

في الجانب الآخر يفتخر الخطاب الخميني (قدس) بأنه أسس منذ البداية على مناهضة الاستكبار والاستعمار وأن الثورة الإسلامية كانت قبل كل شيء ثورة على التبعية للغرب وعلى رأسه الاستكبار الأميركي، فهذه التبعية ووفقاً للخطاب الخميني (قدس) هو السبب الأول والأخير لتخلف المسلمين عن ركب الحضارة والتقدم، ومازال الشعب الإيراني في نزال لا يرحم مع هذا الاستكبار الذي يريد إعادة إيران إلى بيت الطاعة الأميركي.

أما قضية الإسلام الأولى، قضية فلسطين السليبة، فلا تجد لها مكاناً في الخطاب المتطرف ولم يسجل لهذا الخطاب موقفاً جاداً وأصيلاً من القضية الفلسطينية، فبعيداً عن الشعارات الرنانة لهذا الخطاب الذي يلعن اليهود ليل نهار إلا أنه لم يمس لحد الآن شعرة من جسد صهيوني حاقد على الإسلام والمسلمين.

أما الخطاب الذي يشرعن للانبطاح والاستسلام تحت يافطة الإعتدل فهو من أهم الأسباب التي أدت إلى ضياع فلسطين وتغول الصهاينة على المسلمين، فهذا الخطاب مازال يختلق الأعذار لإضاعة ما تبقى من فلسطين، كما ساهم ويساهم في فرض الحصار المفروض على أهالي غزة المظلومين.

أما الخطاب الخميني (قدس) فيعرف القاصي والداني سر عداء الاستكبار العالمي وأذنابه للإمام الخميني (قدس) هو نصرته الحقيقية والثابتة للقضية الفلسطينية، انطلاقاً من العقيدة الإسلامية الأصيلة. وإخراجه هذه القضية من دائرتها القومية الضيقة إلى فضاء الإسلام الرحب وجعل منها القضية الأولى للمسلمين، وأن إيران دفعت ومازالت تدفع أثماناً باهظة لهذا الموقف الإسلامي المبدئي من القضية الفلسطينية.

الغريب أن خطابي التطرف والانبطاح يكمل بعضه بعضاً، فبعد أن يقضي الخطاب الأول على كل أمل في تلمس شباب الأمة الخلاص من المشاكل التي تعصف بالمجتمعات الإسلامية عبر الإسلام التطرف والصورة المشوهة عن الإسلام، فلا يجد طريقاً أمامه إلا خطاب الانبطاح والانحلال والخلاعة والميوعة والتسيب وتسويق الروح الانهزامية والعدمية بين شباب الأمة، والذي ينشط، بذريعة مكافحة الخطاب المتطرف والمتخلف حيث تتوالى هذه المهمة مراكز تدعي العلمية والتبحر في الدين تساندها إمبراطوريات إعلامية تتحرك بدولارات النفط. أما هدف الخطابين فواحد وهو تركيع الأمة أمام أعدائها من المستكبرين والصهاينة وتمرير مخططات هذا الثنائي غير المقدس والرامية إلى شرذمة الأمة وتفكيكها ومن ثم الانقضاض على خيراتها ونهب ثرواتها والإبقاء عليها خارج حركة التاريخ.

هذه الإطلالة السريعة على بعض مواقف الخطاب الخميني (قدس) من أهم قضايا الأمة والتي حاول هذا الخطاب أن يرسم أفقاً وضاءا أمام المسلمين في كيفية التعامل معها، تسلط الضوء في ذات الوقت على الخطابات الشوهاء التي أفسدت على المسلمين حياتهم وأذهبت ريحهم وجعلتهم لقمة سائغة لكل من هب ودب من الصهاينة الأفاقين والمستكبرين الطامعين، فمثل هذه الأوضاع تعتبر ناقوس خطر يشحذ همم علماء الأمة ونخبها، من الذين تجردوا من سحر الكتب الصفراء التي أخذت تهيمن على نفوس وعقول الكثيرين دون كتاب الله، ومن سحر دولارات النفط التي جردت العديد من إنسانيتهم بعد أن باعوا أنفسهم للشيطان، لدرء الخطر الداهم وإنقاذ الإسلام من عمليات التشويه التي تطاله وإنقاذ المسلمين المحاصرين بين سندان الجهل الأعمى ومطرقة الاستكبار والصهيونية.

ورحم الله الإمام الخميني (قدس) حين قال: (احرصوا من خلال البيان والقلم أن تضعوا السلاح جانباً. إن الساحة هي ساحة صراع بالأقلام والعلوم والفكر).

 

احدث الاخبار

الاكثر قراءة