الإمام الخميني وإحياء الأمة الإسلامية
التاريخ: 22-05-2011
الإمام الخميني وإحياء الأمة الإسلامية قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[1]
الإمام الخميني وإحياء الأمة الإسلامية
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[1].
الأمة الإسلامية أمة واحدة بهويتها، ولكل أمة هوية بها تتحد وبها تكون أمة. وكما أن للفرد شخصية ولهذه الشخصية حياة وموت وعلائم حياة أو موت فإن للأمة شخصية وعلائم موت أو حياة، فقد تموت الأمة، وقد تبعث من جديد، وقد تضعف وقد تقوى.
الإمام الحسين(عليه السلام) يثور بوجه يزيد ليس من أجل أن يحافظ على الإسلام فحسب، بل من أجل تجديد حياة أمة أشرفت على الموت. كانت هناك حالة اجتماعية فرضت على واقع الأمة بعد استلام معاوية الحكم. معاوية كان يختلف عمن سبقه من الخلفاء إذ حاول تغيير هوية الأمة، وكاد ينجح في هذا الأمر لأسباب كثيرة، فقد عمل لإعادة الأمة إلى جاهليتها الأولى. حاول أن يحيي في الأمة الإسلامية الهوية الجاهلية ويطمس هويتها الإسلامية التي أوجدها رسول الله (صلى الله عليه وآله). وقد وفق الإمام الحسين (عليه السلام) في إحياء الهوية الإسلامية.
فمنذ أن ثار الإمام الحسين (عليه السلام) بدأت الأمة تدرك أن السلطة ليست شرعية وليست المصدر الذي يستوحي منه دينها، وبدأت تطرق أبواب أهل البيت والصحابة والتابعين للتعرف على هويتها ودينها وقيمها.
أن يصبح العلماء هم المصدر لقيادة الأمة نظرياً كان يعني أن الأمة بدأت تستعيد عافيتها وأنها لم تخضع لتغيير الهوية ومسخها كما كان يريد بنو أمية.
وفي وقتنا المعاصر؛ هناك حالة طرأت على الأمة وشخصيتها وأدت إلى ضعف الأمة، وكان أوج هذا الضعف عندما حدث حدثان يعبران عن أن الأمة بدأت تموت وتلفظ أنفاسها الأخيرة.
حدثان أضعفا الأمة الإسلامية:
1ـ الحدث الأول: سقوط حكومة بني عثمان وحكومة القاجار:
هو زوال الحكومتين الكبيرتين (وإن لم تكن السلطة فيهما شرعية ولكنها كانت تعبر عن وجود الأمة وهويتها) حكومة بني عثمان في تركيا وحكومة القاجار في إيران.
هاتان الحكومتان كانتا تعتبران إمبراطوريتين إسلاميتين ولو شكلا، وكانتا تعبران عن وحدة الأمة وهويتها بدرجة. كلتاهما سقطتا واضمحلتا وحلت محلهما حكومتان علمانيتان: حكومة أتاتورك في تركيا وبهلوي في إيران. كان ذلك تعبيرا عن أن الأمة كانت تفقد هويتها الإسلامية، ولم تعد أمة إسلامية.
2ـ الحدث الثاني: تأسيس إسرائيل في قلب العالم الإسلامي:
تأسيس إسرائيل في قلب العالم الإسلامي. ولعل ذلك يعبر عن أول نتيجة لزوال تلك الشخصية والهوية ويعبر عن أن الأمة فقدت شخصيتها.
انبعاث الأمة الإسلامية من جديد:
القرن العشرون مثل بداياته موت الأمة ونهايته مثلت مبعث الأمة من جديد. بدأت الأمة تشعر أنها ماتت، ومجرد خلق هذا الإحساس هو نوع من الإحياء، وبدأ ذلك على يد المصلح السيد جمال الدين الأسد آبادي الأفغاني وغيره من المصلحين الذين بدأوا يعملون داخل جسم الأمة لإحيائه في العراق وتركيا وباكستان ومصر وإيران.
برز رجال مصلحون وقادة وأعوان بدأوا يعون ما حل بالمسلمين. كلمات الأفغاني ومحمد حسين كاشف الغطاء والإمام حسن البنا ومحمد عبده في مصر وغيرهم من رجال الحركة الإسلامية، نجد أنهم بدأوا يجاهدون من أجل خلق شعور لدى الأمة بأنها لابد أن تحيى من جديد.
الإمام الخميني كان من هؤلاء الكبار مع بعض الفوارق الأساسية:
بعض الفوارق بين الإمام الخميني(قدس سره) و غيره من المصلحين:
1ـ الفارق الأول:
إن الإمام الخميني حينما نادى إلى حياة الأمة الإسلامية جاء بأطروحة متكاملة تتولى إعادة الحياة للأمة، وهي أطروحة الحكومة الإسلامية قائمة على أساس ولاية الفقيه. لو تأملنا في فكر من سبق الإمام الخميني من المصلحين لوجدنا أنهم لأسباب عدة لم يطرحوا فكرة الحكومة الإسلامية.
الأطروحة التي سبقت الإمام الخميني هي الأطروحة التي طرحها الميرزا النائيني في ما كتبه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) إبان الحركة الدستورية في إيران.
أود الإشارة إلى أن الظروف التي كانت تحيط بهذه الأطروحة تدل على أن الأمة الإسلامية لم تكن مستعدة لتقبل أطروحة الحكومة الإسلامية آنذاك.
ماذا يطرح النائيني؟ كان يؤكد على عنصرين: العدالة والقانون.
فنحن بحاجة إلى قانون يضمن لنا العدالة، ويؤكد أن القانون لا بد أن يكون إسلاميا ولكي نضمن ذلك يقترح تأسيس برلمان يختاره الشعب يشرف عليه خمسة من الفقهاء لهم حق الاعتراض (الفيتو) على ما يسنه البرلمان إذا خالف الإسلام. هذه الأطروحة التي اجتهد العلماء في إيران ليطبقوها، لكنها لم تطبق عمليا. أفكاره التي طرحها في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) والذي كتبه تحت إشراف أستاذه الآخوند الخراساني الذي رفع لواء النهضة الدستورية، والنظريات في الواقع هي نظريات محمد كاظم الخراساني الذي قاد حركة المشروطة، ونجد في هذا الكتاب أن النائيني كان يؤمن بأن يكون الفقهاء هم الحكام. ولم يستطع طرح المشروع على أساس ولاية الفقيه. طرح الأطروحة التي طرحها كحكم ديمقراطي مقيد بالإسلام وعبر عنها الآخوند بالمشروطة المشروعة أو النظام الدستوري الخاضع لموازين الشرع. فلم تكن الأجواء مناسبة لطرح الحكومة الإسلامية.
لكن الإمام الخميني وجد أمامه أجواء مناسبة فقد جربت الأمة الحكم العلماني من قبل أكثر من مرة في إيران وتركيا وبقية البلدان ولم تجد في الديمقراطية العلمانية ما يحل مشاكل الأمة بل وجدوا أنها تزيد المشاكل. أسوأ ظروف إيران كانت في ظل الديمقراطية العلمانية في ظل حكم الشاه في التطبيق انتهت الديمقراطية العلمانية إلى أشد أنواع الديكتاتوريات. طبقت في أكثر من بلد وجربت فأفلست، كما حدث للاشتراكية التي ثبت إفلاسها.
الإمام الخميني ظهر في وقت كانت الأمة فيه قد مرت بتجربة مع النظم الأخرى فأرهقتها تلك النظم، فكانت الأمة مستعدة للعودة إلى إسلامها. وحينما دعا الإمام إلى الإسلام وجد أسماعا صاغية في كافة بلدان العالم الإسلامي. كان إفلاس النظريات الأخرى غير الإسلامية (الليبرالية والاشتراكية) حالة عامة في كافة بلدان المسلمين.
ما الذي جر نظام الحكم في العراق إلى الديكتاتورية؟ العلمانية هي أساس حزب البعث في العراق وهي التي أدت إلى الديكتاتورية في العراق وفي بلدان إسلامية أخرى. جربت الأمة هذه الأطروحات فتعبت وأصبحت متعطشة للبديل الإسلامي الذي طرحه الإمام.
ونظرا لإخلاص الإمام الخميني (كان مؤمناً بالله إيماناً صادقاً) فحين قدم نظرية الحكومة الإسلامية كان الفضاء الفكري للنخب والعقول الحوزوية هو أن من غير الممكن إقامة حكم الإسلام. وفي يوم من الأيام كنت حاضراً في جلسة عقدت في قم حضرها علماء الإسلام الكبار، كان هناك اتجاهان:
ـ اتجاه الإمام الذي يدعو إلى إسقاط الحكم.
ـ واتجاه الجبهة الوطنية وبعض علماء الحوزة ويدعو إلى إبقاء النظام.
في تلك الجلسة لم أجد إلا واحدا أو اثنين ممن يوافق على أطروحة الإمام الخميني، أما الباقون فيرون أن طرح الإمام غير عملي. كان الاتجاه الآخر يرى بقاء الشاه واعطائه السلطنة وليس الحكومة، وأن يكون الحكم للبرلمان. كان أغلب الحاضرين يرى أن نظرية الإمام غير واقعية وأن أطروحة الجبهة الوطنية هي العملية.
في هذا الجو لم يكن هناك ما يشجعه على طرح الحكم الإسلامي إلا إيمانه. كان يرى أن عدم الإيمان بقدرة إقامة حكم الإسلام ناتج عن الضعف. كان يرى ضرورة الالتزام بالأمر الشرعي.
2ـ الفارق الثاني:
هو أنه أقام الحكم الإسلامي وبذلك أحيا الهوية الإسلامية من جديد.
المهم أن ما أقض مضاجع أعداء المسلمين هو عودة الهوية إلى الأمة، ورأت القوى الكبرى المعادية للمسلمين أن جهودها التي بذلتها لأكثر من قرن لتشتيت الأمة وضرب هويتها أصبح يتهاوى، وأن الأمة عادت إلى هويتها بنشاط وحيوية وفاعلية. هذه الهوية الإسلامية لم تقتصر على إيران، بل انتشرت في كل مكان، فهي في العراق ومصر ولبنان، فبدأوا بتطويق الثورة وبذل الجهود لإفشالها فأوعزوا لصدام ليبدأ الحرب ضد الجمهورية الإسلامية.
الثورة عندما انتصرت لم يكن لديها جيش قوي، كنت في خرمشهر عندما بدأت الحرب ولم يكن من القوى المقاتلة لمواجهة جيش صدام سوى مائة شخص من حرس الثورة بدون سلاح. وكنت أرى في جبهة خرمشهر أن الجنود لم يكونوا يعرفون استعمال الـ(آر.بي.جي). كانت الخطة هي القضاء على الثورة. بعد ثماني سنوات يئسوا من القضاء على الثورة.
بعد ذلك عمل أعداء المسلمين على محورين:
المحور الأول:
عزل السنة عن الشيعة وحينما وجدوا أن ذلك لا يتم إلا من خلال خلق محاور ثورية موجهة من جانبهم، تكون شعاراتها أشد من الإمام الخميني، لتستطيع استقطاب المد الثوري الذي انطلق بفضل الثورة وجهود الإمام ثم يقضي على هذا التيار الحركي فيما بعد تحت عنوان الإرهاب. هذا التيار لم يتم اختياره من بين العناصر السنية ذات التاريخ والبعد الفقهي والفكري. فمن كان يعرف بن لادن؟ ومن كان يعرف ملا عمر؟؟؟
لو كانت مثل هذه الحركات حقيقية لكان لديها بعداً جماهيرياً.
الإمام الخميني كان معروفاً بتاريخه. أما بن لادن فكان من أخلص أصدقاء القادة الأمريكيين، وهم شركاؤه في التجارة، فإذا به يتحول بين عشية وضحاها إلى قائد ثورة ضد أمريكا. هذه القيادات استحدثت بن لادن وملا عمر قيادات استحدثت لغايتين:
الأولى: عزل الشباب الحركي والجماعات الحركية السنية عن الثورة الإسلامية وخلق حالة من الصدام بينهما.
الثانية: لملمة الطاقات الحركة حول هذه المحاور ثم ضربها تحت عنوان الإرهاب، لأن هذه القيادات المستحدثة تعمل تحت أجندة القتل والإرهاب، فكلاهما أجندته القتل والإرهاب. الشعارات جميلة، الثورة ضد أمريكا، ولكن العمل على الأرض خلاف ذلك، فلم نجد لهذه القيادات المستحدثة أي اصطدام مع الولايات المتحدة، بل رأينا أنهما تكملان بعضهما البعض. فإذا أرادت ضرب جماعة إسلامية في منطقة ما (مصر شمال أفريقيا، العراق) نشطت القاعدة ومعها الفئات الأخرى، لأنها جميعاً مسندة مالياً وتخطيطياً وعسكرياً من الولايات المتحدة وإسرائيل والبلدان المتحالفة معهما في المنطقة.
هناك تنسيق واضح بين هذه الفئات والإدارة الأمريكية. وما أكثر الشباب الساذج السليم بفطرته، والذي يفترض أن يكون جندياً في سيل الحركة الاسلامية، الذين هدرت دماؤهم عندما انجذبوا إلى هذه المحاور ثم ضربوا من قبل الولايات المتحدة.
المحور الثاني:
في داخل العالم الشيعي: عملوا على عزل الشيعة غير الإيرانيين عن الإيرانيين وجعل الثورة إيرانية. هناك الكثير ممن نثق بإيمانهم من إخواننا العراقيين ظهروا على الشاشات للتأكيد على أنهم مختلفون عن إيران. كانت تلك الأجندة تفرض على هؤلاء. الخطة استحدثت خط شيعي في مقابل خط شيعي آخر. وحينما جاء الأمريكان أرادوا أن يجعلوا من النجف محوراً لضرب إيران. ولكن وعي العلماء في حوزة النجف الأشرف أفشل ذلك، ولكن الخطة ما تزال موجودة، فلا بد أن نكون على وعي.
إن توحيد الصف الإسلامي ليس ضرورة تفرضها علينا حاجتنا بل مبادئنا وعقيدتنا، لا يمكن للمسلم عندما يشاهد المسلم الآخر مهدداً في وجوده وعرضه أن يقف مكتوفا ولا يهتم به. الخطر أصبح غير محدود بشعب ما أو أرض ما. عندما اغتصب فلسطين سكتنا وقال بعضنا أن ذلك يخص الفلسطينيين.
الآن لا يوجد بلد غير مهدد بخطر الهيمنة الأمريكية وإن لم يكن بمظهر الاستعمار السياسي والعسكري، إنه تخطيط لضرب الأمة الإسلامية في صميم مصالحها. نحن مسلمون وقد فرض الله علينا أن ندافع عن بعضنا البعض، وقد ورد في الحديث الشريف: (من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم).
ـــــــــــــــــ
* كلمة سماحة الشيخ محسن الأراكي بمناسبة الذكرى السنوية ۱۸ لارتحال الإمام الخميني(قدس سره) في مؤسسة الأبرار الإسلامية، لندن: ۷/٦/ ۲۰۰۷م.
[1] سورة الأنبياء، الآية: ۹۲.
احدث الاخبار
العميد موسوي: أي تهديد لإيران هو بمثابة "عمل حربي"
إصابة مقاتلة اف 18 أميركية بنيران الدفاعات الجوية الإيرانية في تشابهار
القيادة: تنوّع أدوار ووحدة مسار
ولاية الفقيه من ولاية اللّه (1)
برقية تعزية يبعثها بوتين للقائد السيد مجتبى الخامنئي باستشهاد لاريجاني
قائد الثورة الإسلامية يعزي باستشهاد علي لاريجاني ومرافقيه
استشهاد وزير الأمن الإيراني السيد إسماعيل خطيب
قائد الجيش: الرد على اغتيال الشهيد لاريجاني سيكون صارما وباعثا على الندم
استشهاد الدكتور علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني واللواء غلام رضا سليماني
قائد الثورة الإسلامية يوعز باستمرار عمل المسؤولين المعينين من قبل القائد الشهيد
الاكثر قراءة
أربعون حديثاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام)
أحكام الصوم للسيد القائد الخامنئي
ما أنشده الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حق الإمام الخامنئي
أربعون حديثا عن الإمام الهادي (ع)
مختارات من كلمات الإمام الخامنئي حول عظمة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)
أربعون حديثاً عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
مبادئ الإمام الخميني العرفانية
شهيد المحراب (الثالث) آية الله الحاج السيد عبد الحسين دستغيب
ماذا يقول شهداء الدفاع عن العقيلة؟.. الشهيد السيد إبراهيم في وصيته: لقد ذهب زمان ذل الشيعة+ صور
تقرير مصور عن شهداء الحجاز الذين استشهدوا في جبهات الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية