Skip to main content

الأصالة والحداثة عند الإمام الخميني

التاريخ: 30-10-2008

الأصالة والحداثة عند الإمام الخميني

 الأصالة والحداثة عند الإمام الخميني كلمة أولى: ولد الإمام روح الله بن السيد مصطفى بمدينة (خُمين) ـ وتقع على مسافة (250كم) جنوب طهران، وإليها نُسب ـ في (20 جمادى الآخرة 1320هـ/ الموافق 22/9/1902م

 الأصالة والحداثة عند الإمام الخميني

كلمة أولى:

ولد الإمام روح الله بن السيد مصطفى بمدينة (خُمين) ـ وتقع على مسافة (250كم) جنوب طهران، وإليها نُسب ـ في (20 جمادى الآخرة 1320هـ/ الموافق 22/9/1902م. ورحل إلى بارئه في (3/6/1989م) وشُيِّع في اليوم التالي إلى مثواه الأخير في مقبرة (جنة الزهراء) بطهران.

وكان قد قاد ثورة على شاه إيران (محمد رضا بهلوي) منذ وقت مبكر أثمرت انتصاراً شعبياً عظيماً بعد استقبال الشعب الإيراني له عائداً من باريس في (1/2/1979م) ثم إعلان هذا الانتصار في (11/2/1979م) وتسلمه (رحمه الله) مقاليد الأمور في الجمهورية الإسلامية الإيرانية... ما جعل مجلة (التايمز) الأمريكية تسِمُه برجل ذلك العام بل إن هذه الثورة الشعبية تتفرد موضوعياً وتاريخياً عن نظائرها من الثورات التي سبقتها؛ ولاسيما الثورة الفرنسية للسجن (الباستيل) والثورة الاشتراكية التي أسقطت القياصرة...

وغاب الإمام عن دنيانا الفانية، وحلَّ في الخلود السماوي، بعد أن سكن شغاف القلوب؛ ولبَّ العقول روحاً وفكراً ومنهجاً... ولاسيما أنه صار رمز الجهاد من أجل المستضعفين في الأرض ورمزاً للنزاهة والأمانة والتضحية في سبيل شعبه وأمته، لم يترك وراءه إلا نظارته وعكازته وحصيرة صغيرة، وطاولة متواضعة، على حين توزع الناس عباءته أجزاء يرون أنها تذكرهم به...

كان (رحمه الله) صاحب رؤية أصيلة وثاقبة في قراءة التاريخ والحاضر والمستقبل، في إطار إيماني إسلامي معرفي... فقد شكّل الإسلام نور قلبه، وعمَّره بالإيمان غاية وهدفاً؛ وجعل النظر والتفكر والتدبر أساس الاجتهاد والتحليل العقلي، ما يعني أنه جمع العلوم العقلية إلى العلوم النقلية، في مواجهة الواقع ووضع الحلول المناسبة لكل شأن من شؤون الحياة والناس والعقيدة والفكر و... أي إنه مزج بين الأصالة والمعاصرة في منهج موضوعي دقيق لبناء الجمهورية الإسلامية أولاً والأمة الإسلامية ثانياً... فكان رجل عقيدة وإيمان وكان رجل دولة وعلم ومعرفة وهو يبني الأمة وفق تصور إيماني روحي يتجاوب ومتطلبات الحياة الحضارية التي تتطلع إليها أمته في عالم متفجر بالمعارف والنظريات والفلسفات والتقنيات وكل أنماط الارتقاء المادي والنظري، وعلى مختلف الصُّعُد والمستويات.

ومن ثم إذا كانت الأصالة قد تجلت في تمسكه الراسخ بالدين الإسلامي ونصوصه ومبادئه، والعمل بآراء الأئمة والفقهاء والإفادة منها في معالجة مشكلات واقعه فإنه كان ينفتح على الحداثة أينما كانت، ومهما كانت عقيدة أبنائها؛ على اعتبار أن تجارب البشرية ملك لكل أبنائها. فكل ما يراه ضرورة لحياة أمته وتقدمها ينشد معرفته وفهمه والاستعانة به.

وبهذا مزج كل ما هو أصيل بكل ما هو حضاري نظرياً وتطبيقياً، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، علمياً وتقنياً، أدبياً وإعلامياً وفنياً و...

وهذا ما أكده سماحة الإمام الخامنئي في مراسم بيعته يوم (13/7/1989م) إذ تمسك بمنهج الإمام الخميني ولاسيما حين بيّن لنا دلالة مفهوم الأصولية فقال: «إذا كانت [الأصولية] بمعنى العودة إلى الأصول والقواعد الإسلامية الأساسية فهي تعدُّ من أعظم مفاخرنا، وعلى المسلمين في أي مكان من العالم ألاَّ يخشوا من اسم الأصولية أو يحذروا منه، لأن أصول الدين الإسلامي المقدسة هي ضمان لسعادة الإنسان».

وهذا يعني أن حياة الإمام الخميني وآراءه وأفكاره وما تركه من آثار غدت منهجاً تستلهمه الأمة الإسلامية خاصة والبشرية عامة، وهي آثار ستبقى متجذرة في الزمان والمكان ما دامت الحياة مستمرة...

وكان الإمام يكتب ما يراه ضرورة لأمته لكي تصبح أمة المعرفة والإنتاج والتقدم والارتقاء وفق التصور الإيماني الروحي... ومن تلك الآثار التي بلغت نحو (56) مؤلفاً (شرح دعاء السَّحَر لشهر رمضان) و(القرآن باب معرفة الله) و(سر الصلاة أو معراج السالكين) و(الآداب المعنوية للصلاة) و(شرح حديث جنود العقل والجهل) و(شرح الأربعين حديثاً في الأخلاق) و(كشف الأسرار) و(الحاشية على شرح فصوص الحِكَم) و(المكاسب المحرّمة ـ مجلدان) و(مصباح الهداية إلى الخلافة الولاية) و(الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه) و(تحرير الوسيلة)...

إذاً جسَّد الإمام الخميني الأصالة والمعاصرة بكل تجليّاتها ومظاهرها؛ ويمكن أن يقف الباحث على أبرزها، كما يراه في الصفحات الآتية.

1 ـ كمال الإنسان:

لست في معرض الحديث عن حياة الإمام الخميني وصفاته كلها، ومن ثم لست في صدد التأييد لهذا الرأي أو ذاك أو معارضته... ولكنني في صدد موقف الإمام من الإنسان نفسه باعتباره وسيلة وغاية وفقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء 17/70).

ولمَّا كان الإمام قد ذاب في الإسلام، إذ توجه إلينا الشهيد محمد باقر الصدر قائلاً: «ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام» كان علينا أن ندرك أنه كان يأخذ نفسه بصورة الإنسان الكامل المؤمن بالعقيدة الإسلامية وما حددته لصفات المؤمن القوي... ولهذا فنهج «الإمام الخميني هو نهج الأنبياء الذي قام على أساس الصبر والمقاومة والاستعانة بالله ـ سبحانه وتعالى ـ للتغلب على المصاعب والضغوط» كما حدثنا عنه القائد الخامنئي.

لهذا حمل همّ الأمة على عاتقه، وعانقه معانقة الوجود فتجلّد على المحن؛ متبيّناً نهج إرادة التحدي والصدق والعدل والعقل وطلب المعرفة والعلم و... ورأى أن التكليف الشرعي الذي أمر الله به عباده موجه إلى كل مؤمن، وإليه قبل غيره، وهو القائل للمقربين منه والموالين له: «إذا كان عملكم من أجلي، وتعرضتم للاعتقال من أجلي، فإني لا أملك لكم أجراً، أما إذا كان عملكم لله فهذا تكليفكم الشرعي، فلا تتوقعوا مني أن أعمل لكم شيئاً» إنه آمن إيماناً مطلقاً بأن عمل الإنسان ينبغي أن يطابق فكره وآراءه، وهو ما يسمى اليوم بثنائية النظرية والتطبيق الذي أسسه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف 61/2 – 3).

وفي ضوء ذلك كان يملك من الصفات ما تجعل الإنسان يضعه مثالاً للاحتذاء والقدوة الحسنة، فهو شجاع جريء، عاقل حكيم؛ هادئ رزين، مسامح كريم، لا يحب الجدل والمناكفة، محترم للعلماء والأولياء؛ مُعَظِّم للحديث والقرآن وهو القائل لأصحابه: «لا تضعوا القرآن على الأرض» ثم مدَّ يده وتناول القرآن ووضعه على الطاولة. (السيرة الذاتية الخاصة من حياة الإمام الخميني 5/69)

هكذا استطاع أن يتمثل الكمال في الإنسان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؛ وأن يجسد الإيمان الروحي الأصيل المستند إلى العرفان وقيم الإسلام ونصوصه ما جعله ينجح في تكوين المسؤولية الدينية في نفوس أتباعه؛ والارتقاء بهم إلى تشكيل رابطة روحية عميقة، حولتهم إلى جماعة قوية ومتماسكة تماسكاً روحياً وعاطفياً لا نظير له... ومن ثم التفّ الشعب الإيراني حولها، وكان سندها في ثورتها، وأداتها في متابعة بناء الجمهورية الإسلامية؛ ولاسيما حين أكد كل عضو من أعضائها أنه كان ملتزماً بالقيم الإسلامية الأصيلة دون أن يقع في التحجّر والانغلاق والجهل والتخلّف والفتنة والفوضى عملاً بمنهج الإمام الخميني إذ كان يرى «أن خطر المتحجرين والمتزمتين... ليس قليلاً».

فالإمام الخميني كان يتوجه إلى الإنسان الكامل الذي يعي التاريخ والواقع وفق منهج موضوعي علمي إيماني روحي، لأن تغيير الواقع المأساوي لا يتم إلا بتغيير الذات.

2 ـ تغيُّر الذات تغيير للواقع:

إن واقع أي أمة إنما هو نتاج لواقع أبنائها تقدماً أو انحطاطاً؛ وفق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 13/11).

فإذا واجهت الأمة فجوة رقمية ومعرفية وتقنية و... بينها وبين الآخر فلن تستطيع سد هذه الفجوة دون معرفة أبنائها للأسباب ومعالجتها، وكذلك يقال في الاستكانة إلى الظلم والجور، والهوان والضعف، والسلوك والتصرف و...

ومن هنا كانت رسالة الإمام الخميني ومنهجه إذ طالب العلماء ـ مثلاً ـ بعدم «اتخاذ أسلوب المهادنة مع الحكومة»، وعليهم أن يكشفوا عيوبها ونقائصها والدعوة إلى إصلاح ما فسد، فاعتقل في (14/11/1964م) ثم نفي إلى تركيا.

كان ينمّي المسؤولية الدينية والذاتية في نفس الإنسان وفق منهج رباني إسلامي، ويبصّر الناس بكل ما هو شائع بينهم من علاقات ومعارف ألبست لباس الدين، بيد أنها أساءت إليه... أو أنهم تهاونوا في معالجة ثقافة الفساد وانتشار الرذيلة في المجتمع، ... إنها ثقافة لم تنتج إلا أزمات للوطن والأمة ولاسيما حين طفق الشباب يستوردون الثقافة الاستهلاكية المادية التي دمّرت كل ما هو جميل وأصيل في حياة الشباب، ما جعله يدعو إلى كسر «طوق الثقافة الغربية المفسدة وحلول الثقافة الإسلامية، والوظيفة البناءة محلها». فالدنيا لها مغيرات كثيرة وهي كما قال (رحمه الله): «من الحجب التي تعتبر غشاء سميكاً بيننا وبين معارف القرآن ومواعظه» (انظر طيران في الملكوت 2/117). وهذا يعني أن «الثقافة مصدر كل أنواع السعادات والشقاء للشعوب» كما قال الإمام (رحمه الله).. فإذا وظفت في خدمة الإنسان والأمة ... أدت إلى نهوهما أخلاقياً ومدنياً فهي خير وسعادة، وإلا فهي مصدر الآثام والشرور والتعاسة.

لهذا كانت الوجهة الأصيلة والحضارية للإمام (رحمه الله) بناء الإنسان الصادق في توجهه إلى الله لقوله تعالى: ﴿ونُواْ رَبَّانِيِّينَ﴾ (آل عمران: 79)؛ لأن مثل هذا الإنسان المؤمن الخلوق الصابر، المتحرر من الأهواء والتعصب... قادر على بناء حاضر الأمة وتغيير واقعها المأساوي...

كان الإمام يرى أن أي تغيير لا يتم إلا بتربية النفس وابتعادها عن النفاق والزيف والخداع و... تربية تتبنى التصور الإسلامي ذا المنجز العلمي المعرفي والخلقي الذي يقوّم سلوك المرء من كل انحراف أو ضلال ليوجد وحدة فكرية عملية في فهم الواقع وتطوره...

ولعل هذا كله كان وراء ما جرى ويجري في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إذ انتقلت إلى دولة إسلامية عصرية، وإن كانت التجربة ما زالت تمرّ بمعوّقات كثيرة داخلياً وخارجياً، أو أن بعض رجال الدولة غير المتمرسين قد أخطأوا في إدارة الأزمات الطارئة... على الرغم من أنهم كانوا يحاولون الارتقاء إلى مصاف تجربة الإمام، ويجهدون في فهم رسالته وأبعادها... ولكن النسخة ليست كالأصل، على عظمة الإنجاز الذي قدمته على غير صعيد ومجال...

ويمكن للمرء أن يستجلب أحد الأدلة على ذلك ولا بأس أن يختار مفهوم الديمقراطية والشورى... فقد ظل الخلاف مستشرياً بين الناس حول تحديد ماهيتهما وتنفيذهما، وبأيهما نأخذ؟

وقد نجح الإمام الخميني في الخروج من ثوب الاختلاف إلى ساحة التوفيق والتوافق حين نظر نظرة توفيقية في إطار الفكر الديني الإسلامي الصحيح، وفي صميم توازي المنفعة الكامنة في المصطلحين المشار إليهما، أو غيرهما... وهي منفعة تتفق مع المصلحة الشرعية، وفق ما أصَّلته لتنفيذ مبدأ الشورى، ووفق ما ينبغي أن ينتج عن تطبيق الديمقراطية في حياتنا... فالأصل في المفهومين استنادهما إلى مبدأ الإيمان بالإنسان وجوداً وحرية، واعتماد الأفضلية في إدارة شؤون الدولة وتسيير أمورها... فالديمقراطية لا تعني غَلْق الفكر على التجربة الغربية وحدها، وإن كان على المسلمين الإفادة منها، ولكن عليهم أن يمارسوا ديمقراطية أخلاقية تراعي حرية الفرد، ولا تلغي حرية الجماعة أو تكون بدلاً لها... وفي ضوء هذا الوعي لم يعد هناك اختلاف أو خلاف بين المسلمين حول دلالة المصطلح؛ ما دام يتركز في المصلح.

احدث الاخبار

الاكثر قراءة